عاد اسم الأسطورة الفرنسية جاست فونتين إلى الواجهة مع اشتداد المنافسة على جائزة الحذاء الذهبي في كأس العالم 2026، بعدما اقترب كيليان مبابي وليونيل ميسي وإيرلينغ هالاند وهاري كين من صدارة الهدافين، لكنهم ما زالوا بعيدين عن الإنجاز التاريخي الذي حققه المهاجم الفرنسي قبل 68 عاماً.
ففي مونديال السويد 1958، سجل فونتين 13 هدفاً خلال ست مباريات فقط، ليصبح صاحب الرقم القياسي لأكبر عدد من الأهداف في نسخة واحدة من كأس العالم، وهو رقم صمد أمام جميع النجوم رغم اختلاف الأجيال وتطور اللعبة.
ولم يكن فونتين الخيار الأول في تشكيلة المنتخب الفرنسي قبل انطلاق البطولة، إذ جاءت مشاركته بعد إصابة المهاجم الأساسي رينيه بليارد في مباراة ودية، ولم تتوقف المفارقات عند هذا الحد، إذ اضطر إلى خوض المباراة الافتتاحية بحذاء مستعار من زميله ستيفان بروي، بعدما أتلف حذاءه خلال التدريبات ولم يكن يمتلك زوجاً احتياطياً.
كما دخل البطولة بعد تعافيه من جراحة في غضروف الركبة، وهي الإصابة التي جعلت مشاركته محل شك، لكنه وصل إلى كأس العالم في أفضل حالاته البدنية.
ورغم أنه خاض خمس مباريات دولية فقط قبل البطولة، فإن المدرب ألبرت باتو منحه فرصة المشاركة، ليرد المهاجم الفرنسي بأداء استثنائي لا يزال محفوراً في ذاكرة كرة القدم.
واستهل فونتين مشواره في البطولة بتسجيل ثلاثية في شباك باراغواي خلال الفوز 7-3، ثم واصل هز الشباك في جميع مباريات فرنسا، بما في ذلك نصف النهائي أمام البرازيل بقيادة بيليه، قبل أن يختتم البطولة بأربعة أهداف في الفوز على ألمانيا الغربية بنتيجة 6-3 في مباراة تحديد المركز الثالث.
وأنهى البطولة برصيد 13 هدفاً في ست مباريات فقط، وهو رقم لم ينجح أي لاعب في تحطيمه حتى اليوم، فيما كان الألماني جيرد مولر الأقرب إليه بعدما سجل 10 أهداف في نسخة 1970.
ولم يكن تميز فونتين مرتبطاً بعدد أهدافه فقط، بل بأسلوبه الهجومي أيضاً، إذ امتلك سرعة كبيرة وتحركات ذكية داخل منطقة الجزاء وقدرة استثنائية على استغلال المساحات، وهي صفات يرى كثيرون أنها تتناسب مع كرة القدم الحديثة.
وساهم مع ريموند كوبا في قيادة فرنسا لتسجيل 23 هدفاً في مونديال 1958، ليصبح المنتخب الفرنسي أقوى هجوم في البطولة، قبل أن يوقفه المنتخب البرازيلي في نصف النهائي.
ورغم تتويجه هدافاً للمونديال، لم يحصل فونتين على الحذاء الذهبي، لأن الجائزة لم تكن قد استحدثت آنذاك، إذ بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم منحها رسمياً اعتباراً من نسخة 1982.
واكتفت صحيفة سويدية بتقديم بندقية هوائية له تكريماً لدقته أمام المرمى، قبل أن يمنحه الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2014، حذاءً مصنوعاً من البلاتين احتفاءً بإنجازه التاريخي.
وكان فونتين يؤكد أن سر نجاحه تمثل في عدم التفكير بالأرقام أو الجوائز الفردية، معتبراً أن المهاجم يفقد تركيزه بمجرد أن ينشغل بسباق الهدافين.
ولم تستمر مسيرة فونتين طويلاً، إذ تعرض لكسر خطير في الساق عام 1960، وتسببت محاولات العودة في تفاقم الإصابة، ليعلن اعتزاله كرة القدم عام 1962 وهو في الثامنة والعشرين من عمره،
ورغم قصر مسيرته، سجل 30 هدفاً في 21 مباراة دولية مع المنتخب الفرنسي، قبل أن يتجه إلى العمل الإداري والتدريب، حيث ساهم في تأسيس نقابة اللاعبين الفرنسيين، كما تولى تدريب منتخب فرنسا وباريس سان جيرمان وتولوز، إضافة إلى منتخب المغرب.
ورحل فونتين في مارس 2023 عن عمر ناهز 89 عاماً، لكنه ترك إرثاً استثنائياً ورقماً قياسياً لا يزال صامداً حتى اليوم، ليبقى اسمه حاضراً كلما اشتعل الصراع على لقب هداف كأس العالم، في انتظار من ينجح يوماً في كسر الرقم الذي بدأ بحذاء مستعار.
