فترات شرب الماء في المونديال.. كنز مالي يغيّر مستقبل الكرة

لم تعد فترات شرب الماء في كأس العالم 2026 مجرد إجراء يهدف إلى حماية اللاعبين من الإجهاد الحراري، بل تحولت إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في عالم كرة القدم، بعدما كشفت البطولة عن قيمتها التجارية الهائلة، ما قد يدفع الاتحادات والدوريات إلى إعادة النظر في شكل البث التلفزيوني للمباريات خلال السنوات المقبلة.

وبحسب تقرير موسع نشرته شبكة «إسبن»، فإن فترات التوقف التي استمرت ثلاث دقائق في منتصف كل شوط، والتي فرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، في جميع مباريات مونديال 2026، أصبحت تمثل فرصة إعلانية غير مسبوقة لشركات البث، حتى إن شبكة «فوكس» الأمريكية يتوقع أن تحقق ما لا يقل عن 250 مليون دولار، من الإعلانات المرتبطة بهذه الفترات فقط.

عائدات ضخمة

يرى مسؤولون في قطاع الإعلام الرياضي أن نجاح التجربة سيجعل من الصعب التخلي عنها مستقبلاً، ليس بسبب الجوانب الصحية، بل لما توفره من إيرادات إضافية.

وقال ديفيد ليفي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «تيرنر» والمتخصص في حقوق البث الرياضي: «سيكون من الصعب التراجع بعد أن أثبتت فترات شرب الماء فعاليتها، بسبب العائدات المالية المرتبطة بها، وإذا لم تكن هذه الفترات هي الحل، فسيتم البحث عن بديل يحقق الهدف نفسه».

وأتاحت هذه الفترات لشبكة «فوكس» بيع مساحات إعلانية مسبقاً، حيث تراوحت أسعار الإعلان الواحد بين 200 ألف و750 ألف دولار، سواء عبر بث كامل أم من خلال الشاشة المنقسمة أثناء استمرار المباراة.

فرصة تجارية

بدأ تطبيق فترات التبريد لأول مرة في كأس العالم 2014 بالبرازيل عند ارتفاع درجات الحرارة، لكن مونديال 2026 شهد تغييراً جذرياً بعدما أصبحت الاستراحات إلزامية في كل مباراة، حتى داخل الملاعب المكيفة.

ويرى خبراء الإعلام أن هذه الخطوة منحت كرة القدم ميزة طالما افتقدتها مقارنة بالرياضات الأمريكية مثل كرة السلة وكرة القدم الأمريكية والبيسبول، التي تتضمن بطبيعتها فواصل إعلانية متعددة.

وقال أحد التنفيذيين في قطاع الإعلام: «هذه أموال لم تكن موجودة سابقاً في كرة القدم، حيث يحصل المعلنون على فرصة للوصول إلى جمهور متفاعل في أهم لحظات المباراة».

الحاجة الاقتصادية

في المقابل، لا تبدو الدوريات الأوروبية مستعدة لتبني الفكرة سريعاً، رغم الضغوط المالية التي تعانيها، فالدوري الفرنسي واجه أزمات متكررة في حقوق البث، بينما تراجعت معدلات نمو الإيرادات في معظم البطولات الأوروبية، في وقت يواصل فيه الدوري الإنجليزي الممتاز التفوق مالياً بإيرادات تقارب 10 مليارات دولار سنوياً.

ويرى مسؤولون تنفيذيون أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا قد تكون أكثر استعداداً لدراسة الفكرة مستقبلاً، وربما إعادة تسويقها باعتبارها «استراحة تكتيكية» بدلاً من كونها مخصصة للترطيب فقط، بما يمنح المدربين فرصة لإجراء تعديلات فنية أثناء اللقاء.

رفض رسمي

أكدت مصادر من الدوري الإنجليزي الممتاز أنه لا توجد أي خطط لإضافة فترات توقف جديدة، كما أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، عدم وجود نية لاعتمادها في بطولة أمم أوروبا 2028 أو دوري أبطال أوروبا.

كما امتنعت روابط الدوري الإسباني، والألماني، والإيطالي، والفرنسي عن التعليق على التقرير، بينما تبدو الفكرة أكثر قابلية للتطبيق داخل الولايات المتحدة، حيث يستعد كل من الدوري الأمريكي لكرة القدم، والدوري الوطني لكرة القدم للسيدات، للتفاوض على عقود بث جديدة خلال السنوات المقبلة.

وأكد مسؤولون أن نجاح التجربة في كأس العالم يمنح الدوري الأمريكي فرصة لزيادة قيمة حقوقه الإعلامية وجذب مزيد من المستثمرين وشركاء البث، وقال أحد مسؤولي الدوري الأمريكي: «سيكون من الصعب مقاومة هذه الفكرة، خصوصاً مع اقتراب مفاوضات حقوق البث الجديدة»، ورغم ذلك، شدد الدوري الأمريكي على أنه لا يناقش حالياً أي تغييرات رسمية، مؤكداً أن سلامة اللاعبين ستظل الأولوية.

التأثير الأمريكي

يشير التقرير إلى أن التأثير الأمريكي على كرة القدم العالمية لم يعد يقتصر على التنظيم أو الجماهير، بل امتد إلى نموذج البث والإعلانات، فقبل عشرة أعوام، لم تكن الولايات المتحدة تمثل سوى أقل من 10% من عائدات حقوق بث كأس العالم، بينما ارتفعت النسبة اليوم إلى نحو 25%، مع توقعات باستمرار النمو خلال الدورات المقبلة.

ويرى خبراء التسويق الرياضي أن هذا التحول سيمنح شركات الإعلام الأمريكية دوراً أكبر في رسم مستقبل نقل مباريات كرة القدم، سواء عبر فترات التوقف أم أشكال جديدة من الدمج الإعلاني داخل المباريات.

ورغم الانتقادات التي وجهها اللاعبون والمدربون والجماهير بسبب تأثير فترات شرب الماء على إيقاع المباريات، فإن نجاحها التجاري قد يجعلها واحدة من أبرز إرث مونديال 2026، وربما بداية مرحلة جديدة تعيد تشكيل العلاقة بين كرة القدم وحقوق البث التلفزيوني والإعلانات حول العالم.