لم تكن مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم مجرد محطة رياضية عابرة انتهت عند دور الـ 32 بالخسارة أمام سويسرا بهدفين نظيفين، بل فصلاً درامياً تداخلت فيه مشاعر الهوية بضغوط الإرث العائلي؛ حيث عاش حارس محاربي الصحراء لوكا زيدان، رحلة نفسية معقدة، فالحارس الشاب الذي نشأ في فرنسا تحت مجهر المقارنة الدائمة مع والده الأسطورة زين الدين زيدان، اختار في تحول مفاجئ خلع قميص «الديوك» والدفاع عن ألوان بلد أجداده، مستجيباً لنداء الجذور العائلية ومباركة جده.
ودخل لوكا المونديال مرتدياً قناعاً واقياً للوجه إثر إصابة بالغة بكسر في الفك والذقن تعرض لها مع ناديه الإسباني قبل أسابيع قليلة من انطلاق العرس العالمي، وبدا هذا القناع الأسود كأنه يرمز للدراما النفسية والضغط العصبي الذي عاشه الحارس الشاب وهو يحمي العرين الجزائري وسط عاصفة من التشكيك الجماهيري والإعلامي الحاد، محاولاً في كل مباراة إثبات أن جدارته بالوقوف في هذا المحفل الدولي نابعة من موهبته الخالصة، وليس مجرد امتداد لاسم زيدان الذي يتردد صداه في كل أرجاء المعمورة.
وقد عكست الأرقام المسجلة حجم العبء الدفاعي والضغط الكبير الذي تحمله لوكا طول 270 دقيقة خاضها أساسياً في مباريات البطولة الثلاث، حيث استقبلت شباكه 6 أهداف حالت دون خروجه بأي مباراة بشباك نظيفة، برغم استبساله في القيام بـ 8 تصديات حاسمة وُزعت بين مواجهات الأرجنتين والأردن وسويسرا، إلى جانب تميزه في بناء اللعب من الخلف بدقة تمرير بلغت 87%.
وتجسدت ذروة هذه التراجيديا الكروية في ليلة من ليالي كندا الباردة على أرضية ملعب «فانكوفر»، حيث كان الجزائريون يمنون النفس بمواصلة المغامرة المونديالية، لكن شباك لوكا استقبلت هدفاً مبكراً صعّب المهمة، وفي اللحظات التي تبحث فيها الآمال عن طوق نجاة، جاءت الرصاصة القاتلة مع بداية الشوط الثاني إثر خطأ دفاعي وهفوة قاسية من لوكا، استغلها المهاجم السويسري دان ندوي ليودع الكرة الشباك معلناً الهدف الثاني، ولم تكن تلك الهفوة لمجرد خطأ في التموضع، بل كانت اللحظة التي انهار فيها جدار الصمود النفسي لنجل زيزو، لتبخر حلم المحاربين وتتحول تلك الليلة إلى كابوس شخصي مرير تجرع الحارس مرارته وحيداً تحت وطأة الانتقادات.
غادر المنتخب الجزائري المونديال وغادر معه لوكا زيدان الملعب مكشوف الوجه والآلام بعد أن سقط القناع الطبي والنفسي في ليلة الخسارة امام سويسرا، تظل هذه المشاركة نقطة تحول محورية في مسيرة الحارس الشاب، فقد أثبتت الأرقام والوقائع أن عبء قميص الوطن لا يقل ثقلاً عن إرث اسم زيدان، لتنتهي هذه المغامرة بدرس كروي بليغ يجسد قسوة اللعبة الحية التي لا تعترف بالعواطف، ولا تمنح صكوك الغفران حتى لأبناء الأساطير.
