إسبانيا لا ترهبها الأرقام.. دفاع تاريخي يرفع طموح «لا روخا» في التتويج الثاني

لم تعد إسبانيا في كأس العالم 2026، ذلك المنتخب الذي يعرف فقط بسحر الاستحواذ والتمريرات القصيرة التي صنعت مجد جيل 2010، بل أصبحت نسخة أكثر توازناً وصلابة، تعتمد على قوة دفاعية استثنائية قد تكون مفتاح عودتها إلى منصة التتويج.

وبعد الفوز الصعب على البرتغال بهدف نظيف في دور الـ16، بات المنتخب الإسباني على بُعد ثلاثة انتصارات فقط من تحقيق لقبه العالمي الثاني، في رحلة تستعيد بعض ذكريات مونديال جنوب أفريقيا 2010، عندما قاد جيل تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا وديفيد فيا إسبانيا إلى المجد الأول في تاريخها.

ولكن الفارق بين نسخة 2010 والمنتخب الحالي أن السلاح الأبرز لم يعد الهجوم فقط، بل المنظومة الدفاعية التي تحولت إلى علامة فارقة تحت قيادة المدرب لويس دي لا فوينتي.

ويؤكد غيليم بالاغ، خبير الكرة الإسبانية، أن قوة المنتخب الحالي تكمن في شخصيته الجماعية، قائلاً: إن الفريق يعرف كيف ينافس، وإن اللاعبين يتحركون بعقلية واحدة تقوم على التضامن والالتزام والتضحية.

ورغم امتلاك إسبانيا مجموعة هجومية مميزة، تضم لاعبين قادرين على صناعة الفارق مثل ميكيل أويارزابال، الذي سجل 17 هدفاً في آخر 17 مباراة بدأها أساسياً مع المنتخب، إلى جانب الموهبة الشابة لامين يامال، وصانع الألعاب بيدري، مع عودة رودري إلى مستواه المعهود، فإن الطريق نحو المنافسة على اللقب يبدأ من الخط الخلفي.

ودخلت إسبانيا الدور ربع النهائي دون أن تستقبل أي هدف في البطولة، لتصبح المنتخب الوحيد الذي حافظ على نظافة شباكه حتى الآن، بعدما خاض ست مباريات متتالية دون اهتزاز مرماه، محطمة الرقم القياسي السابق المسجل باسم إيطاليا في مونديال 1990 وسويسرا بين نسختي 2006 و2010.

ووصلت سلسلة الصمود الإسبانية إلى 10 ساعات و9 دقائق دون استقبال هدف في كأس العالم، منذ التعادل السلبي أمام المغرب في دور الـ16 من مونديال 2022، قبل الخروج بركلات الترجيح، وقال دي لا فوينتي بعد الفوز على البرتغال: «هذه نتيجة العمل الجماعي، هناك صلابة دفاعية رائعة، تضامن وجهد وتضحية، الجميع يركض من أجل زميله».

ويقف الحارس أوناي سيمون في قلب هذا الإنجاز، بعدما واصل كتابة الأرقام القياسية، ومدد سلسلته الخالية من استقبال الأهداف في كأس العالم إلى 609 دقائق، متجاوزاً أرقاماً تاريخية لحراس كبار مثل الإيطالي والتر زينغا والإسباني إيكر كاسياس.

وفي مواجهة البرتغال، لم يكن سيمون بحاجة إلى إنقاذات خارقة، رغم سيطرة المنافس على فترات من اللقاء، لأن التنظيم الدفاعي الجماعي منح إسبانيا القدرة على احتواء الخطورة، وقال بالاغ: «المنتخب الإسباني دافع بأعداد كبيرة، وعالج المشكلات كفريق، لذلك لم نحتج إلى تصديات استثنائية من سيمون».

وأمام سيمون، يعتمد دي لا فوينتي على ثنائية قلب الدفاع إيمريك لابورت وباو كوبارسي، وهي شراكة تجمع بين الخبرة والهدوء والقدرة على بناء اللعب من الخلف، بينما يمنح الظهيران بيدرو بورو ومارك كوكوريلا الفريق حلولاً إضافية على الأطراف.

ويرى بالاغ أن هذه المنظومة تناسب أسلوب إسبانيا الحالي، لأنها تمنح الفريق القدرة على تحريك الكرة والتقدم بها، مع الحفاظ على التوازن حتى عند وجود مساحات خلف الخط الدفاعي.

كما أشار إلى أن استعادة رودري لمستواه الكامل تمثل إضافة كبيرة، معتبراً لاعب وسط مانشستر سيتي السابق «منارة الفريق»، والعنصر الذي يمنح المجموعة التوازن في مختلف مراحل اللعب.

وبعد سنوات من التراجع النسبي، وخروج مخيب من دور المجموعات في نسختي 2014 و2018، ثم الإقصاء المبكر في 2022، تبدو إسبانيا الحالية أكثر نضجاً وقدرة على المنافسة، خصوصاً بعد عودتها إلى كأس العالم بصفتها بطلة أوروبا.

ويرى المهاجم الإنجليزي السابق كريس ساتون أن المنتخب الإسباني لم يصل بعد إلى أقصى مستوياته، مشيراً إلى أن هناك الكثير الذي يمكن أن يقدمه الفريق، وأن صلابته الدفاعية تجعل مواجهته أمراً معقداً لأي منافس.

ولكن الطريق لن يكون سهلاً، إذ ينتظر إسبانيا اختبار قوي أمام بلجيكا في ربع النهائي، وهي مواجهة ستضع السجل الدفاعي التاريخي لـ«لا روخا» أمام قوة هجومية يقودها نجوم مثل روميلو لوكاكو وجيريمي دوكو.

وفي حال واصلت إسبانيا الحفاظ على صلابتها الدفاعية، فقد يكون هذا السلاح هو المفتاح الحقيقي لعودة الكأس العالمية إلى مدريد بعد 16 عاماً من الإنجاز الأول.