كثافة سكانية وفقر كروي.. مئات الملايين خارج كأس العالم


رغم أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في عدد محدود من الدول، فإن هذا الثقل السكاني لا ينعكس على خريطة كأس العالم لكرة القدم؛ إذ تغيب معظم الدول الأكثر اكتظاظاً بالسكان عن البطولة، بينما تواصل منتخبات من دول أقل كثافة سكانية فرض هيمنتها على اللعبة. وقد برز هذا التناقض بوضوح خلال منافسات كأس العالم 2026، حيث احتشد آلاف المشجعين في العاصمة البنغلاديشية «دكا» لمتابعة المباريات مرتدين قمصان المنتخب الأرجنتيني ومرددين اسم قائده ليونيل ميسي، رغم أن منتخب بلادهم لم ينجح يوماً في بلوغ النهائيات. ولم يقتصر المشهد على بنغلاديش، بل تكرر في مدن عدة بالهند وإندونيسيا، حيث تبنى الملايين منتخبات عالمية لتعويض غياب منتخباتهم الوطنية عن الحدث الكروي الأكبر.


ومن بين الدول العشر الأكثر سكاناً في العالم، لم ينجح في التأهل إلى مونديال 2026 سوى منتخبين فقط، هما الولايات المتحدة والبرازيل، فيما غابت دول تضم مئات الملايين من السكان، مثل الهند وباكستان وبنغلاديش وإثيوبيا والصين. ورغم أن القاعدة النظرية تشير إلى أن زيادة عدد السكان تعني اتساع قاعدة المواهب، فإن الواقع الكروي يثبت أن هذا العامل وحده لا يكفي لصناعة منتخب قادر على المنافسة عالمياً. ويؤكد خبراء اقتصاد الرياضة أن النجاح في كرة القدم يرتبط بثلاثة عناصر رئيسية: قاعدة بشرية واسعة، واستثمارات مستدامة في البنية التحتية، وخبرة تراكمية في تطوير اللعبة؛ وهي عوامل تفتقدها العديد من الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة.


إرث تاريخي


لا تزال القوى التقليدية لكرة القدم، وفي مقدمتها البرازيل والأرجنتين وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإنجلترا، تجني ثمار أكثر من قرن من التطور المستمر، حيث تأسست مسابقاتها المحلية مبكراً، وتراكمت الخبرات الفنية والإدارية عبر أجيال متعاقبة. ويفسر ذلك نجاح أوروغواي -التي لا يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة- في الفوز بلقب كأس العالم مرتين، بفضل تاريخها الطويل في اللعبة، رغم محدودية مواردها البشرية مقارنة بالدول الكبرى.


وفي المقابل، يبرز المنتخب المغربي بوصفه أحد أبرز النماذج الحديثة على إمكانية كسر الاحتكار التقليدي لكرة القدم العالمية من خلال التخطيط طويل المدى. فمنذ إطلاق مشروع تطوير كرة القدم المغربية، والاستثمار في أكاديمية محمد السادس والمجمع الوطني لكرة القدم، إلى جانب توسيع قاعدة اكتشاف المواهب داخل المغرب وخارجه، نجح «أسود الأطلس» في التحول إلى أحد أقوى المنتخبات الأفريقية والعربية. وقد وصل المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، ثم واصل تألقه في نسخة 2026 ببلوغ الدور ربع النهائي، مؤكداً أن النجاح ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مشروع متكامل استمر لسنوات.


عشق بلا إنجازات


رغم الشعبية الجارفة لكرة القدم في دول جنوب آسيا، لا تزال منتخباتها بعيدة عن المنافسة العالمية؛ فالهند -صاحبة أكبر عدد سكان في العالم- لم تشارك في كأس العالم رغم تأهلها لنسخة 1950 قبل أن تنسحب، بينما لم يسبق لبنغلاديش أو باكستان أو إثيوبيا بلوغ النهائيات. ويرى مختصون أن ضعف البنية التحتية، وقلة الاستثمار في تطوير اللاعبين، وغياب المسابقات الاحترافية القوية، هي الأسباب الرئيسية لهذا الغياب. ورغم أن رياضات أخرى مثل الكريكيت تستقطب المواهب في الهند وباكستان وبنغلاديش، يؤكد الخبراء أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب منظومة احترافية متكاملة.


أما الصين، فتمثل إحدى أكثر الحالات إثارة للتساؤل؛ فالدولة التي حققت نجاحات أولمبية هائلة واستثمرت مليارات الدولارات في تطوير اللعبة، لم تتمكن من العودة إلى كأس العالم منذ مشاركتها الوحيدة عام 2002. ويرى مراقبون أن كثرة التدخلات الإدارية، وضعف استقلالية القرار الفني، وعدم نجاح برامج تطوير المواهب المحلية، حدت من قدرة الصين على تحويل إمكاناتها الاقتصادية والبشرية إلى قوة كروية حقيقية.


تجربة مختلفة
في المقابل، اقتربت إندونيسيا من التأهل إلى مونديال 2026 بفضل سياسة تجنيس واسعة استقطبت لاعبين من أصول إندونيسية نشأوا في أوروبا، ما منح المنتخب دفعة فنية كبيرة، لكنه أثار في الوقت نفسه نقاشاً واسعاً حول مستقبل تطوير المواهب المحلية.


وتؤكد التجارب العالمية أن النجاح في كرة القدم لا يقاس بعدد السكان فقط، بل يعتمد على التخطيط طويل الأمد، والاستثمار في الأكاديميات، وتطوير المدربين، وبناء مسابقات محلية قوية، إلى جانب الاستقرار الإداري. ولهذا، تواصل دول صغيرة نسبياً منافسة كبار اللعبة، بينما تبقى دول تضم مئات الملايين من السكان خارج المشهد المونديالي، تكتفي بتشجيع منتخبات أخرى بانتظار اليوم الذي يتحول فيه شغف جماهيرها إلى إنجازات داخل المستطيل الأخضر. وبينما تستمتع جماهير الهند وبنغلاديش وباكستان والصين وإثيوبيا بأجواء كأس العالم من خلف الشاشات، يبقى الحلم قائماً بأن تتحول هذه القوة الجماهيرية الهائلة يوماً ما إلى قوة كروية قادرة على فرض حضورها في أكبر محفل كروي على مستوى العالم.