يعود المنتخب الإنجليزي لكرة القدم للركض مجدداً على عشب ملعب "أزتيكا" الأسطوري في العاصمة مكسيكو سيتي، مستحضراً معه واحدة من أكثر الصفحات إثارة وجدلاً في تاريخ كاس العالم. فمنذ تلك المواجهة التاريخية أمام الأرجنتين في ربع نهائي مونديال 1986، لم تطأ أقدام "الأسود الثلاثة" هذا الملعب الذي شهد تسجيل دييغو مارادونا لهدفه الشهير بيده، والذي عُرف لاحقاً بـ "يد الله"، متبوعاً بهدف القرن الذي راوغ فيه نصف الفريق الإنجليزي.
تلك المباراة، التي جرت وسط أجواء سياسية مشحونة غداة حرب الفوكلاند، انتهت بإقصاء مرير لإنجلترا بنتيجة هدفين لهدف، لتظل هذه الواقعة جرحاً غائراً في الذاكرة الكروية البريطانية وعلامة فارقة في تاريخ اللعبة.
وقد عكست ردود أفعال الصحف الإنجليزية آنذاك حجم الصدمة والذهول من القرار التحكيمي؛ حيث وصفت الصحافة البريطانية الواقعة بـ "السرقة التاريخية في وضح النهار"، وصبّت وسائل الإعلام جام غضبها على الحكم التونسي علي بن ناصر الذي أقر الهدف. وتصدرت صفحات الغلاف عناوين غاضبة تتهم مارادونا بـ "الغش"، في حين ركزت تقارير أخرى على مرارة خروج جيل مميز كان يقوده الهداف غاري لينكر، معتبرة أن العدالة الكروية غُيبت تماماً في مكسيكو سيتي، ليبقى ملعب أزتيكا في المخيلة الإنجليزية مرادفاً للظلم التحكيمي والعبقرية الفذة المحاطة بالجدل.
وفي المونديال الحالي لعام 2026، تتجدد الفصول وتلتقي الأقدار مجدداً لتعيد إنجلترا إلى ذات المسرح، ولكن هذه المرة لمواجهة صاحب الأرض والجمهور، المنتخب المكسيكي، في دور الستة عشر.
وتأتي هذه الموقعة المرتقبة بعد أن نجح رجال المدرب توماس توخيل في تخطي عقبة جمهورية الكونغو الديمقراطية بروح عالية وبفضل ثنائية القائد هاري كين، ليضربوا موعداً يغلب عليه الطابع الثأري مع التاريخ والمكان. الصحافة الإنجليزية الصادرة اليوم استحضرت بوضوح ذكريات عام 1986، حيث عنونت تقاريرها متسائلة عما إذا كان الجيل الحالي بقيادة جود بيلينغهام وكين قادراً على طرد "أشباح الماضي" وتصفية الحسابات القديمة مع ذكريات ملعب أزتيكا.
وتدرك الكتيبة الإنجليزية أن تحدي اليوم لا يقتصر على المنافس المكسيكي المنظم دفاعياً والذي لم يستقبل أي هدف في دور المجموعات، بل يمتد لمواجهة عامل الارتفاع الشاهق عن سطح البحر لملعب أزتيكا والأجواء الجماهيرية الصاخبة المتوقعة.
وترى القراءات الفنية للصحف البريطانية أن المباراة تمثل الاختبار الحقيقي لشخصية المنتخب الإنجليزي وقدرته على الذهاب بعيداً في البطولة، مشيرة إلى أن الفوز في مكسيكو سيتي لن يكون مجرد عبور ، بل سيكون بمثابة مصالحة تاريخية مع ملعب حرم إنجلترا يوماً من مجد مونديالي مستحق بـ "يد" لم ينسها التاريخ.

