تحليل | أنشيلوتي ينتصر بـ «الخطة ب».. مرونة تكتيكية تقود البرازيل لعبور «المطب» الياباني

لم يكن فوز البرازيل الصعب على اليابان 2-1 في طريقها إلى الدور 16 من كأس العالم 2026 مجرد انتصار تحقق بفضل الفوارق التاريخية أو المهارات الفردية، بل كان انتصاراً واضحاً لفكر المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، الذي أثبت مجدداً أن قراءة المباراة والتدخل في توقيتها المناسب قد يكونان أكثر حسماً من السيطرة والاستحواذ.


دخلت البرازيل المباراة بأفكار هجومية تقليدية اعتمدت على رسم تكتيكي مرن، مع منح فينيسيوس جونيور حرية التحرك في الثلث الأخير، بينما تولى برونو غيمارايش صناعة اللعب من العمق، لكن المنتخب الياباني نجح في إفساد السيناريو البرازيلي منذ البداية عبر كتلة دفاعية متوسطة إلى منخفضة، ترافقت مع انتقالات هجومية سريعة واستغلال فعال للمساحات خلف ظهيري البرازيل.


ولم يكن هدف كايشو سانو في الدقيقة 29 مفاجئاً من الناحية التكتيكية، إذ جاء نتيجة مباشرة لفلسفة اليابان القائمة على التحولات السريعة، بعد استدراج البرازيل إلى مناطق متقدمة وخلق تفوق عددي لحظي في المساحات الانتقالية. في المقابل، بدت البرازيل خلال الشوط الأول تفضل اللعب العرضي والاعتماد المفرط على المهارات الفردية، مع غياب واضح للعمق الهجومي وافتقار إلى الاختراق بين الخطوط.


هنا ظهر العامل الذي لطالما ميّز أنشيلوتي خلال مسيرته التدريبية؛ الهدوء في التعامل مع الأزمات، والقدرة على تعديل بنية الفريق دون المساس بتوازنه. إصابة لوكاس باكيتا قبل نهاية الشوط الأول أجبرت المدرب الإيطالي على الدفع بالمهاجم الشاب إندريك، لكن هذا التغيير لم يكن اضطرارياً فقط، بل أعاد تشكيل المنظومة الهجومية بالكامل.


فمع دخول إندريك، تحولت البرازيل إلى أسلوب أكثر مباشرة، وبدأت تعتمد على زيادة الكثافة العددية داخل منطقة الجزاء، وهو ما ظهر بوضوح في الكرات العرضية المتكررة والضغط العكسي السريع عقب فقدان الكرة. وأثمر هذا التحول عن هدف التعادل الذي سجله كاسيميرو في الدقيقة 56، بعدما استغلت البرازيل إحدى نقاط ضعف التنظيم الدفاعي الياباني في التعامل مع الكرات الهوائية والتمركز داخل منطقة الست ياردات.


لكن التغيير الأكثر تأثيراً جاء في الدقيقة 66، عندما دفع أنشيلوتي بغابرييل مارتينيلي بدلاً من ماتيوس كونيا. فمنذ لحظة دخوله، منح جناح أرسنال المنتخب البرازيلي عنصرين افتقدهما طوال المباراة: السرعة العمودية والقدرة على مهاجمة أنصاف المساحات، ما أجبر الدفاع الياباني على التراجع بصورة أكبر وفقدان قدرته على الضغط المتقدم.


في المقابل، دفع المدرب الياباني بتغييرات دفاعية للحفاظ على النتيجة، لكن التراجع المبالغ فيه منح البرازيل السيطرة الميدانية الكاملة على الثلث الأخير، لتتحول المباراة تدريجياً إلى ما يشبه الحصار الهجومي.


وفي اللحظة التي بدا فيها أن اليابان تقترب من فرض الشوطين الإضافيين، جاءت اللمسة التي تختصر فلسفة أنشيلوتي بأكملها. برونو غيمارايش، الذي تحول في الدقائق الأخيرة إلى صانع لعب حر بين الخطوط، مرر الكرة الحاسمة إلى مارتينيلي، الذي استثمر المساحة الضيقة داخل منطقة الجزاء وسجل هدف الفوز في الدقيقة الخامسة من الوقت المحتسب بدل الضائع ليعبر بالبرازيل من «المطب» الياباني.


ما كشفته هذه المباراة أن البرازيل الحالية ليست النسخة الاستعراضية التقليدية التي تعتمد فقط على الموهبة الفردية، بل منتخب يتشكل تدريجياً على صورة مدربه الإيطالي؛ فريق قادر على تغيير إيقاعه، وتعديل هيكله التكتيكي، والانتقال بين أكثر من نموذج لعب خلال المباراة الواحدة.


لم تنتصر البرازيل بفضل مهارات فينيسيوس أو خبرة كاسيميرو فحسب، بل لأن أنشيلوتي نجح مرة أخرى في إثبات أن المباريات الكبرى لا تُحسم فقط بما يحدث داخل المستطيل الأخضر، بل أيضاً بما يدور على مقاعد البدلاء.