انطلقت منافسات دور الـ 32 من كأس العالم 2026 بنظامها الموسّع الجديد وسط أجواء مشحونة بالجدل الرياضي، بعد أن فجّر البرتغالي كارلوس كيروش، المدير الفني لمنتخب غانا، قنبلة موقوتة بتصريحاته التي أكد فيها أن البطولة «تفقد الكثير من قيمتها» بوجود 48 منتخباً، واصفاً النظام الذي تصوّره رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بأنه يُفقد المونديال بريقه التاريخي.
هذه الانتقادات اللاذعة وجدت صدىً فورياً واسعاً في كبرى الصحف العالمية، التي أفردت مساحات واسعة لتحليل انطلاق الدور الإقصائي الأول بشكله الحالي، ملقية الضوء على الصراع الاحترافي بين جودة اللعبة وعوائد التسويق.
وفي هذا السياق، قادت الصحافة البرازيلية هجوماً فنياً على البطولة، حيث كتبت صحيفة «غلوبو إسبورتي» في تقرير لها: «إن استحداث دور الـ 32 لم يمنح المونديال إثارة إضافية، بل حوّل الدور الأول إلى مجرد مرحلة إحماء مطولة وباردة فنية، بعدما فُتحت الأبواب لمنتخبات لا تملك الجودة الكافية للتواجد في محفل بهذا الحجم، ما جعل الشغف الجماهيري التقليدي ضحية للمجاملات الانتخابية للفيفا».
وتعزز هذا الرأي في الصحافة الإيطالية التي ركزت على إرهاق اللاعبين، إذ علّقت صحيفة «لا غازيتا ديلو سبورت» الإيطالية بقولها: «إن انطلاق دور الـ 32 بصيغته الحالية يعكس بوضوح انتصار لغة المال على سلامة اللاعبين، حيث يُجبر نجوم اللعبة على خوض مباريات متلاحقة بعد مواسم أوروبية طاحنة، ليتحول المونديال من قمة الإبداع الكروي إلى آلة تجارية تستهلك أجساد اللاعبين دون أدنى مراعاة للجانب البدني».
ولم تكن الصحافة الفرنسية أقل حدة في تشريح المشهد، حيث نشرت صحيفة «ليكيب» الفرنسية تحليلاً جاء فيه: «لقد أسقط النظام الجديد معايير النخبوية الصارمة التي ميّزت كأس العالم منذ عام 1998؛ وبدلاً من أن يكون دور الـ 32 ساحة للمعارك التكتيكية الكبرى، تحوّل إلى مهرجان تسويقي يفتقر إلى الحبكة الدرامية، بعد أن أسهمت الحسابات المعقدة لتأهل أفضل الثوالث في إضعاف القيمة الرياضية للمباريات الإقصائية».
وفي إسبانيا، ركزت وسائل الإعلام على غياب العدالة التنافسية، حيث كتبت صحيفة «ماركا» الإسبانية: «إن تصريحات كيروش تضع الفيفا أمام مرآة الحقيقة؛ فوصول منتخبات إلى دور الـ 32 رغم تعرضها للخسائر في دور المجموعات يمثل تشوهاً تكتيكياً يضرب عدالة المنافسة في مقتل، ويؤكد أن إرضاء الاتحادات القارية وزيادة عوائد البث شحن البطولة بجرعات زائدة من المباريات المملة».
أما الصحافة البريطانية، فقد رصدت الأثر طويل المدى على هوية اللعبة، حيث علقت صحيفة «الديلي ميل» البريطانية قائلة: «إن ما نراه اليوم في دور الـ 32 هو تجسيد حقيقي لـ 'كرة المال' التي انتقدها كيروش؛ فالمونديال لم يعد يمثل مكافأة للأفضل بعد تصفيات شاقة، بل تحوّل إلى حدث ممتد ومترهل يفقد ميزته الأساسية وهي الندرة، وهو ما يهدد بقتل الشغف الجماهيري العفوي لصالح إعلانات الرعاة وحقوق البث التلفزيوني الحصرية». وجاءت هذه المقتطفات الصحفية لتؤكد أن انطلاق الدور الإقصائي بنظامه الجديد بات يواجه معارضة شرسة لا تنظر إلى البطولة بوصفها نجاحاً تنظيماً، بل كمحاولة لتغليب الاستثمار المالي على الإرث الكروي الأصيل.

