منتخب إسبانيا.. الصدارة لم تبعد أشباح الماضي

رغم تأهل المنتخب الإسباني إلى دور الـ32 من كأس العالم 2026 متصدراً المجموعة الثامنة، فإن أداء «لا روخا» لم يكن مقنعاً بالقدر الذي ينسجم مع مكانته كأحد أبرز المرشحين للفوز باللقب، بعدما افتقد الفريق للحيوية والفاعلية الهجومية التي صنعت نجاحه في السنوات الأخيرة.

وجاء الفوز الصعب على أوروغواي بهدف دون رد ليكشف استمرار معاناة المنتخب الإسباني أمام الدفاعات المنظمة، إذ اكتفى بتسديدة واحدة فقط على المرمى، سجل منها أليكس بايينا هدف المباراة مستفيداً من خطأ الحارس فرناندو موسليرا، في مواجهة غلب عليها الطابع البدني وكثرة الأخطاء أكثر من اللمحات الفنية.

ورغم إنهاء دور المجموعات دون خسارة، فإن الجماهير الإسبانية غادرت ملعب أكـرون في مدينة غوادالاخارا المكسيكية بقدر كبير من القلق، بعدما أعادت العروض الباهتة إلى الأذهان الإخفاقات التي عاشها المنتخب في نسخ كأس العالم الأخيرة.

الهيمنة والمعاناة

عرفت إسبانيا عصرها الذهبي بين عامي 2008 و2012، عندما فرضت أسلوب «التيكي تاكا» وسيطرت على كرة القدم العالمية، محققة لقبين في كأس أمم أوروبا ولقب كأس العالم 2010، بفضل جيل استثنائي ضم تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا وسيرجيو بوسكيتس وتشابي ألونسو وديفيد سيلفا وسيسك فابريغاس، إلى جانب ديفيد فيا وفرناندو توريس.

ولكن بعد تلك الحقبة، بدأت النتائج تتراجع بشكل واضح، وخرج المنتخب الإسباني من دور المجموعات في مونديال 2014، ثم ودع نسختي 2018 و2022 من دور الـ16 بعد عجزه عن اختراق الدفاعات المتكتلة، رغم استحواذه الهائل على الكرة وإكماله آلاف التمريرات أمام روسيا والمغرب، دون فعالية هجومية حقيقية.

ثورة دي لا فوينتي

نجح المدرب لويس دي لا فوينتي في إعادة إحياء المنتخب خلال بطولة أوروبا 2024، بعدما أضاف بعداً هجومياً جديداً إلى أسلوب الاستحواذ التقليدي، مستفيداً من الانطلاقات السريعة والمهارات الفردية لكل من لامين يامال ونيكو ويليامز على الأطراف.

وهذا التحول منح المنتخب الإسباني حلولاً هجومية أكثر مباشرة، وجعل الفريق أكثر تنوعاً وقدرة على اختراق الدفاعات، وهو ما قاده إلى التتويج بلقب أوروبا واستعادة هيبته القارية، ولكن نسخة كأس العالم الحالية شهدت تراجعاً واضحاً في هذا الجانب، نتيجة معاناة أبرز عناصر الخط الأمامي من مشكلات بدنية مختلفة.

ويواصل لامين يامال استعادة جاهزيته تدريجياً بعد إصابة في أوتار الركبة تعرض لها نهاية الموسم، ورغم مشاركته في جميع مباريات دور المجموعات، فإن مستواه لم يصل بعد إلى الصورة التي ظهر بها في بطولة أوروبا.

كما يعاني نيكو ويليامز من آثار الإصابات التي لاحقته طوال الموسم الماضي، بينما تعرض يريمي بينو لإصابة في الكتف قد تكون عبارة عن كسر في عظمة الترقوة، في حين لا يزال فيكتور مونوز يتعافى من إصابة عضلية، ويغيب أيضاً فيرمين لوبيز بسبب الإصابة، وأدت هذه الظروف إلى تراجع الفاعلية الهجومية للفريق، وحرمانه من أهم الأسلحة التي صنعت تفوقه خلال العامين الماضيين.

حلول هجومية

أظهرت مباريات الرأس الأخضر وأوروغواي أن إسبانيا ما زالت تواجه المشكلة نفسها أمام الدفاعات المتكتلة، إذ يعود الفريق أحياناً إلى الاستحواذ البطيء والتمريرات العرضية التي افتقدت للسرعة والاختراق، ورغم أهمية تحقيق الفوز حتى في غياب الأداء المقنع، فإن استمرار البطولة سيضع المنتخب الإسباني أمام منافسين أكثر قوة، وهو ما يتطلب حلولاً هجومية إضافية.

وتبدو عودة داني أولمو إلى التشكيلة الأساسية أحد الخيارات الممكنة لمنح الفريق لاعباً يجيد التحرك بين الخطوط، إلى جانب إمكانية منح ميكيل أويارزابال دوراً أكبر في الخط الأمامي، خصوصاً بعدما ساهم في 22 هدفاً خلال آخر 16 مباراة بقميص المنتخب، فضلاً عن ضرورة رفع نسق اللعب واستعادة السرعة في التحولات الهجومية.

تصحيح المسار

ستواجه إسبانيا في دور الـ32 منتخب النمسا، وهي مواجهة تبدو في المتناول على الورق، لكنها ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة «لا روخا» على استعادة هويتها الهجومية قبل دخول الأدوار الحاسمة.

ويبقى المنتخب الإسباني أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا استعاد الديناميكية والجرأة الهجومية التي جعلته بطلاً لأوروبا، وإلا فإن شبح الإقصاءات المتكررة في كأس العالم قد يعود ليطارد «لا روخا» من جديد.