تحليل| ضغط عالٍ وانتقالات قاتلة ومرونة تكتيكية تقود «الديوك» لاكتساح النرويج

فرنسا والنرويج
فرنسا والنرويج

أرسل المنتخب الفرنسي إنذاراً جديداً للمنافسين بعد فوزه الكبير على النرويج 4-1 في ختام منافسات المجموعة التاسعة لمونديال 2026، وأثبت أنه لا يعتمد فقط على وفرة النجوم في تشكيلته، بل يمتلك أيضاً منظومة تكتيكية متكاملة تجمع بين الضغط العالي، والسرعة في التحول، والمرونة في تغيير الإيقاع، وهي عناصر جعلت "الديوك" ينهون الدور الأول بالعلامة الكاملة ويبعثون برسالة قوية إلى منافسيهم في الأدوار الإقصائية.

ومنذ الدقائق الأولى، ظهرت النوايا الهجومية للمنتخب الفرنسي بوضوح، إذ اعتمد على الضغط المتقدم لاستعادة الكرة في الثلث الهجومي، مع منح الحرية الكاملة للثلاثي الهجومي عثمان ديمبيلي، وكيليان مبابي، وديزيريه دويه في تبادل المراكز والتحرك بين الخطوط. وجاءت أولى الإشارات مبكراً عندما أجبر الضغط الفرنسي الدفاع النرويجي على التراجع، قبل أن يتصدى الحارس إيغيل سيلفيك لمحاولات متتالية من مبابي ومانو كوني ودويه.

واعتمدت فرنسا في الحالة الهجومية على بناء اللعب السريع من الوسط عبر مانو كوني وأوريليان تشواميني، مع توظيف مايكل أوليسيه لاعباً بين الخطوط، ما منح ديمبيلي المساحات الكافية لاستغلال سرعته وقدراته في المواجهات الفردية.

وجسد الهدف الأول في الدقيقة السابعة فلسفة المنتخب الفرنسي بصورة مثالية، عندما تحرك مبابي إلى العمق، قبل أن يمرر الكرة إلى ديمبيلي، الذي استغل المساحة خلف الظهير النرويجي وسدد بدقة داخل الشباك. أما الهدف الثاني، فجاء عبر أحد أخطر أسلحة فرنسا، وهي التحولات الهجومية السريعة (Fast Transition)، إذ قاد مبابي هجمة مرتدة خاطفة انتهت بهدف ثانٍ لديمبيلي بعد أقل من 20 دقيقة.

ورغم نجاح النرويج في تقليص الفارق عبر ثيلو آسغارد، مستفيدة من ثغرة مؤقتة بين خطي الدفاع والوسط الفرنسي، فإن رد فعل "الديوك" كشف عن نضج تكتيكي واضح. فبدلاً من التراجع أو فقدان التوازن، أعاد المنتخب الفرنسي فرض سيطرته على المساحات، مع زيادة الكثافة العددية في العمق، وهو ما أثمر عن الهدف الثالث لديمبيلي بعد تحرك ذكي خلف خط الوسط النرويجي وتمرير حاسمة من تشواميني.

وعلى المستوى الفردي، قدم عثمان ديمبيلي واحدة من أفضل مبارياته الدولية، ليس فقط بسبب تسجيله ثلاثية، بل أيضاً نتيجة دوره التكتيكي المتنوع، إذ لعب جناحاً هجومياً، ثم مهاجماً ثانياً، وأحياناً رأس حربة وهمياً، ما أربك المنظومة الدفاعية للنرويج بشكل مستمر.

وفي المقابل، حاول المنتخب النرويجي تعديل مساره في الشوط الثاني عبر زيادة الضغط على الأطراف والاعتماد على تحركات أوسكار بوب وأندرياس شيلدروب، لكن فرنسا أظهرت جانباً آخر من قوتها تمثل في التنظيم الدفاعي والقدرة على إدارة المباراة. وتجلى ذلك بوضوح في تصدي الحارس مايك مانيان لركلة جزاء يورغن ستراند لارسن مطلع الشوط الثاني، وهي اللحظة التي قضت عملياً على آمال النرويج في العودة.

كما أظهرت فرنسا مرونة تكتيكية كبيرة بعد إجراء التبديلات، إذ حافظت على إيقاعها الهجومي رغم خروج ديمبيلي وأوليسيه، مع استمرار التهديد عبر برادلي باركولا وريان شرقي. ولم يكن الهدف الرابع، الذي سجله ديزيريه دويه في الوقت بدل الضائع، سوى تتويج لهذا التفوق التكتيكي، بعدما جاء إثر هجمة منظمة بدأت من الأطراف وانتهت بعرضية دقيقة ورأسية متقنة.

وإذا كان الفوز على النرويج قد ضمن لفرنسا صدارة المجموعة، فإن الأهم من النتيجة يتمثل في المؤشرات الفنية التي قدمها المنتخب، وعلى رأسها التناغم الهجومي، والقدرة على التحول السريع بين الدفاع والهجوم، والمرونة في تغيير الرسم التكتيكي أثناء المباراة.

وبهذا الأداء، تبدو فرنسا أكثر من مجرد مرشح تقليدي للقب، إذ تقدم نفسها منتخباً يمتلك الحلول الفردية والجماعية معاً، وهي المعادلة التي غالباً ما تصنع أبطال كأس العالم.