تحول الزخم الذي صنعه المنتخب الأمريكي في كأس العالم 2026، إلى ظاهرة جماهيرية متنامية، تعكس كيف بدأت كرة القدم ترسخ مكانتها داخل المشهد الرياضي الأمريكي، ولكن بطابع محلي فريد يختلف عن أي ثقافة كروية أخرى في العالم.
وفي مدينة سياتل، التي تعد إحدى أبرز معاقل اللعبة في الولايات المتحدة، بدت الأجواء قبل مواجهة أستراليا أشبه بيوم نهائي في كرة القدم الجامعية، وازدحمت المقاهي والحانات منذ ساعات الصباح الأولى، وامتدت الطوابير خارج المطاعم وأماكن التجمع الجماهيري، فيما توافد الآلاف نحو ملعب المباراة وسط أجواء احتفالية غير مسبوقة.
ورغم غياب الطبول والأبواق والهتافات التقليدية المعروفة في مدرجات كرة القدم العالمية، فإن المشهد حمل طابعاً أمريكياً خالصاً، واكتفى المشجعون بترديد هتافات مثل «يو إس إيه»، و«نؤمن أننا سنفوز»، بينما امتزجت أجواء كرة القدم بعناصر مستوحاة من البيسبول وكرة القدم الأمريكية والرياضات الجامعية.
وقال مدافع المنتخب الأمريكي أوستن تراستي، إن الجماهير الأمريكية تملك أسلوبها الخاص في التعبير عن الشغف والدعم، مشيراً إلى أن المقارنات المستمرة مع جماهير المنتخبات الأوروبية لا تلغي خصوصية التجربة الأمريكية.
وتظهر هذه الأجواء كيف تطورت كرة القدم في الولايات المتحدة منذ استضافة كأس العالم 1994، إذ أصبحت اللعبة اليوم أكثر حضوراً وتأثيراً، خصوصاً في مدن مثل سياتل التي تتمتع بتاريخ طويل مع كرة القدم الاحترافية.
وخلال الفوز على أستراليا، صنع أكثر من 65 ألف متفرج أجواء صاخبة داخل ملعب لومين، حيث اهتزت المدرجات مع كل فرصة خطيرة، بينما سجلت أجهزة قياس الزلازل المحلية ارتفاعات طفيفة بفعل شدة التفاعل الجماهيري، في مشهد اعتادت عليه المدينة خلال المناسبات الرياضية الكبرى.
وأكد الظهير أليكس فريمان، أن الدعم الجماهيري منح اللاعبين شعوراً استثنائياً بالثقة، مشيراً إلى أن رؤية هذا العدد من المشجعين خلف المنتخب تجعل اللاعبين أكثر إدراكاً لحجم المهمة التي يخوضونها في البطولة.
أما لاعب الوسط سيباستيان بيرهالتر، فاعتبر أن غناء الجماهير لأغنية «كونتري روود»، بعد صافرة النهاية كان من أكثر اللحظات تأثيراً في البطولة، واصفاً المشهد بأنه «أمريكي بامتياز» ويجسد العلاقة الخاصة بين المنتخب وجماهيره.
وبفوزه الثاني توالياً، حقق المنتخب الأمريكي إنجازاً تاريخياً يتمثل في تحقيق انتصارين متتاليين في كأس العالم للمرة الأولى منذ نسخة 1930، ليضمن التأهل إلى الأدوار الإقصائية ويتصدر مجموعته، في وقت بدأت فيه أحلام الجماهير تتجاوز مجرد التأهل إلى التفكير بإمكانية الذهاب بعيداً في البطولة.
ويرى اللاعبون أن نجاح المنتخب لا يقتصر على النتائج داخل الملعب، بل يمتد إلى تغيير نظرة المجتمع الأمريكي تجاه كرة القدم وإلهام جيل جديد من المشجعين واللاعبين، في وقت باتت فيه البطولة تمثل فرصة استثنائية لترسيخ مكانة اللعبة داخل الولايات المتحدة.
وبينما تواصل المدن الأمريكية احتضان أجواء المونديال، يبدو أن المنتخب الأمريكي وجد الوقود الذي يحتاجه للمضي قدماً، وقوداً يصنعه الإيمان الجماهيري المتزايد، والطموح الرياضي الكبير، وثقافة كروية أمريكية جديدة تتشكل يوماً بعد يوم.
