لم تعد أرضيات الملاعب في كأس العالم 2026، مجرد مساحات خضراء تقام عليها المباريات، بل تحولت إلى مشروع هندسي وعلمي بالغ التعقيد، صمم لضمان تقديم تجربة لعب متطابقة في ثلاث دول مختلفة، رغم تباين المناخات والظروف البيئية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وانسيابية حركة الكرة فوق ملاعب البطولة ليست محض صدفة، بل هي نتاج سنوات من الأبحاث والتجارب، وفي نسخة تقام لأول مرة عبر ثلاث دول ومناطق مناخية مختلفة، وفي ملاعب بعضها مفتوح، وأخرى شيّدت أساساً لاستضافة مباريات كرة القدم الأمريكية، برز تحدٍ استثنائي يتمثل في توفير أرضية موحدة قادرة على تحمل الأمطار الغزيرة، وتقليل مخاطر الإصابات، والحفاظ على جودة اللعب في جميع الظروف.
ويقف خلف هذا المشروع العلمي الضخم البروفيسور الدكتور سوروتشان من جامعة تينيسي، الذي يقود أحد أكثر المشاريع طموحاً في تاريخ كرة القدم الحديثة، ويتمثل هدفه في جعل الكرة ترتد وتتحرك بالطريقة نفسها سواء أقيمت المباراة في كندا أم المكسيك، بغض النظر عن تأثيرات الرطوبة أو درجات الحرارة أو طبيعة الملاعب.
ومن بين الملاعب التي تجسد هذا التحدي، يبرز استاد مرسيدس بينزر في أتلانتا، والذي يستضيف عدداً كبيراً من مباريات كأس العالم، من بينها أول مباراتين للمنتخب الإسباني، ويعرف الملعب باستخدامه المعتاد للعشب الصناعي، إلا أنه جرى استبداله بعشب طبيعي خصيصاً للبطولة.
وأوضح الدكتور سوروتشان في تصريحه لصحيفة «آس»، أن أرضية ملعب أتلانتا، الواقع في منطقة ذات مناخ أكثر برودة مقارنة بغيرها، توفر احتكاكاً أقل للكرة مقارنة ببعض الملاعب الأخرى، وهو ما قد يمنح أفضلية للمنتخبات التي تعتمد على سرعة تداول الكرة، مثل المنتخب الإسباني.
ولا يقتصر الاهتمام على جودة اللعب فقط، بل يمتد إلى حماية اللاعبين من الإصابات، فعندما يتوقف لاعب كرة القدم أو يغير اتجاهه أو ينطلق بسرعة، تصبح العلاقة بين الحذاء وأرضية الملعب عاملاً حاسماً في سلامته البدنية، ولهذا السبب قاس سوروتشان وفريقه ما يعرف بـ«قوة الجر الدورانية»، وهي القوة اللازمة لتحرير الحذاء من الأرض أثناء دوران القدم، وكلما ارتفعت هذه القوة، زاد ثبات القدم في الأرض، ما يرفع في المقابل احتمالية التعرض للإصابات.
كما أعد منظمو البطولة بروتوكولاً صارماً للتعامل مع الظروف الجوية القاسية، وخصوصاً العواصف الرعدية، وعلى غرار ما حدث في كأس العالم للأندية، سيتم تفعيل إنذار الصواعق إذا رصدت أجهزة الرادار برقاً ضمن دائرة نصف قطرها 13 كيلومتراً من الملعب، ما يؤدي إلى إيقاف المباراة لمدة 30 دقيقة.
أما في حالات الأمطار الغزيرة، فجرى تصميم وتجهيز الملاعب بحيث لا تتحول المياه إلى عائق أمام استمرار المباريات، من خلال أنظمة تصريف متطورة تضمن الحفاظ على جودة الأرضية وسلامة اللاعبين.
ورغم أن الجماهير نادراً ما تفكر في هذه التفاصيل عند انطلاق المباريات، فإن خلف كل تمريرة دقيقة وكل تدخل ناجح عملاً هندسياً وعلمياً معقداً، فالأمر لا يتعلق بالعشب فقط، بل بمنصة خفية صممت بعناية لتضمن أن يبقى أكبر حدث كروي في العالم وفياً لمعاييره، وأن يقدم المشهد الكروي بأفضل صورة ممكنة عندما تحين لحظات الحسم.

