ويسا يرقص على أحزان رونالدو

سجلت ملاعب نهائيات كأس العالم لكرة القدم لعام 2026 فصلاً جديداً من فصول الإثارة والتناقضات الصارخة، بعدما نجح المنتخب الكونغولي في فرض التعادل الإيجابي بهدف لمثله على نظيره البرتغالي، في مواجهة دراماتيكية جمعت بينهما على أرضية استاد "NRG" بمدينة هيوستن الأمريكية، لتصبح المباراة تجسيداً حياً لصراع الطموح الإفريقي الجامح وكبرياء النجومية العالمية التي طالها العقم التهديفي.

وجاءت المواجهة لتعيد كتابة التاريخ الرياضي لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد صيام دام لأكثر من نصف قرن؛ فبينما كانت المباراة تلفظ أنفاس شوطها الأول والبرتغال متقدمة بهدف مبكر سجله الشاب جواو نيفيز في الدقيقة السادسة، ارتقى المهاجم يوان ويسا في الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع للشوط الأول، ليحول عرضية متقنة من زميله آرثر ماسواكو برأسية قوية استقرت في شباك الحارس البرتغالي ديوغو كوستا.

ولم تكن هذه الرأسية مجرد هدف تعادل في مباراة دور المجموعات، بل دخلت التاريخ باعتبارها الهدف الأول على الإطلاق للكونغو الديمقراطية في تاريخ المونديال، منذ مشاركتها الأولى والوحيدة تحت مسمى "زائير" في نسخة عام 1974، والتي غادرتها آنذاك دون تسجيل أي هدف، ليصبح ويسا اللاعب الوحيد في تاريخ بلاده الذي يحظى بشرف تدوين الهدف الافتتاحي لوطنه في كأسي أمم إفريقيا والعالم معاً.

ولم تقف الإثارة عند حدود الشباك المهتزة، بل امتدت إلى الاحتفالية الاستثنائية التي قدمها ويسا على المستطيل الأخضر، محولاً ملعب المباراة إلى مسرح مفتوح لاستعراض الهوية الإفريقية، حينما أدى برفقة زملائه رقصة "الندومبولو" الكونغولية الشهيرة.

وتعتبر هذه الرقصة في الموروث الثقافي والتراثي للشعب الكونغولي إرثاً فنياً واجتماعياً عميقاً نشأ في أزقة العاصمة كينشاسا أواخر تسعينيات القرن الماضي كأحد تفرعات موسيقى "السوكوس" التقليدية، حيث لا تُصنف في الثقافة المحلية كحركات جسدية عابرة، وإنما تجسد طقساً للتعبير عن التحرر، والمقاومة، والقدرة على قلب موازين القوى وتحويل المعاناة والضغوط النفسية إلى بهجة جماعية عارمة، وهو ما تجلى في رسالة الفخر والكبرياء التي أرسلها "الفهود" إلى العالم من قلب المونديال.

وفي المقابل، شكلت هذه الفرحة الصاخبة والرقصات الإفريقية خلفية قاتمة لليلة مريرة عاشها الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي واصل الغرق في دوامة صيام تهديفي غريب لازمه في البطولات الكبرى.

ورغم الإنجاز التاريخي الذي حققه الدون كأول لاعب يشارك في ست نسخ مختلفة من بطولة كأس العالم، إلا أن اللقاء شهد امتداد سلسلته السلبية إلى عشر مباريات متتالية في المونديال واليورو دون النجاح في زيارة الشباك، على الرغم من محاولاته المستمرة التي بلغت 33 تسديدة خلال تلك السلسلة، منها 11 تسديدة مؤطرة بين القائمين والعارضة.

وشهدت الشوط الثاني من المباراة إهدار القائد البرتغالي لفرصتين محققتين في الدقيقتين الثامنة والستين والرابعة والسبعين، لتقف العارضة وسوء الطالع حائلاً بينه وبين كسر العقدة، وتأتي صافرة النهاية لتعلن عن مشهد تراجيدي التقت فيه رقصات الفرح والتاريخ لـ "ويسا" مع ملامح الإحباط والانكسار التي كست وجه رونالدو، في ليلة رقصت فيها الكونغو على أحزان الدون البرتغالي.