هل التشجيع مجرد انفعال وإخراج طاقة؟ أم أن التشجيع أصبح رياضة مستقلة بذاتها مبنية فوق رياضات أخرى؟
قد يبدو السؤال غريباً في مخيلة البعض، ولكنه أصبح واقعاً في الرياضة الأمريكية وفي كثير من بلدان العالم، حيث صار التشجيع رياضة، بل ووظيفة!
ربما يكون التشجيع قديمًا قِدم الأحداث الرياضية نفسها، حيث تعود جذوره إلى الألعاب الأولمبية الأولى في أولمبيا باليونان القديمة، وإلى مدرجات الكولوسيوم في روما القديمة. ومع ذلك، برز التشجيع بشكل خاص مع تطور الرياضات المنظمة في ستينيات القرن التاسع عشر في كل من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة.
ووفقاً لتقرير صحيفة بريتانيكا، ففي البداية، كانت هتافات المشجعين غير منظمة وتصدر بعفوية من الجماهير.
على الرغم من أن التشجيع في الولايات المتحدة وكثير من دول العالم، يُعتبر اليوم مجالاً تهيمن عليه الفتيات والنساء بشكل رئيسي، إلا أنه بدأ مع طلاب الجامعات الذكور. في الواقع، كان كل من الرؤساء الأمريكيين فرانكلين روزفلت، ودوايت أيزنهاور، ورونالد ريغان، وجورج دبليو بوش مشجعين خلال فترة دراستهم.
أولى الهتافات المنظمة في الولايات المتحدة سُمعت في الأحداث الرياضية لجامعات النخبة (IVY LEAGUE) في ستينيات القرن التاسع عشر، وتطورت "أندية الحماس" (PEP CLUBS) المكونة بالكامل من الذكور لقيادتها. أقدم هتاف معروف في الولايات المتحدة سُجل في مباراة كرة قدم بجامعة برينستون عام 1884.
مع تنامي شعبية الرياضة في القرن التاسع عشر، تطورت الملاعب لاستضافتها، مما أثر على طبيعة التشجيع. وتوضح الموسوعة البريطانية (ENCYCLOPAEDIA BRITANNICA) أنه "خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع ازدياد حضور المباريات الجامعية، تم بناء ملاعب كبيرة وبات المتفرجون بعيدين عن أرض الملعب. لذلك، تولى المشجعون -أو "قادة الهتاف" كما كانوا يُعرفون حينها- قيادة الهتافات من الخطوط الجانبية ليس فقط لتشجيع الجماهير، بل أيضاً كوسيلة للسيطرة على الحشود".
صعود دور المشجع جاء متزامناً مع تنامي شعبية كرة القدم الأمريكية. في عام 1898، كانت جامعة مينيسوتا تعاني من سلسلة هزائم، فقام طالب طب يُدعى جوني كامبل بجمع مجموعة لتحفيز الفريق والجمهور، ليقود أول هتاف منظم بمكبر صوت. ويُعتبر ذلك اليوم، 2 نوفمبر 1898، بمثابة تاريخ ميلاد التشجيع المنظم.
التشجيع الحديث: بين الهامش والمنافسة
اليوم، يعمل التشجيع الحديث غالباً خارج السياق المدرسي تماماً، حيث يوجد أكثر من ثلاثة ملايين مشجع في الولايات المتحدة وحدها، وتنتشر هذه الممارسة في دول مختلفة حول العالم.
الذكور يلعبون دوراً أساسياً في فرق التشجيع المختلطة، حيث يوفرون القوة والثبات والقدرة المطلوبة لرفع ورمي والتقاط الزميلات (FLYERS) خلال الحركات البهلوانية المعقدة في الهواء، كدور ترفيهي خلال المباريات.
بينما تُرى فرق التشجيع التقليدية غالباً على الهامش في مباريات كرة القدم وكرة السلة، اكتسب "التشجيع التنافسي" شعبية متزايدة في السنوات الأخيرة. في هذا النوع، تتنافس الفرق ضد بعضها البعض من خلال أداء روتين مكثف وعالي الطاقة يستمر لمدة دقيقتين ونصف، ويتضمن الجمباز (الشقلبة والقفز)، الحركات البهلوانية، الأهرامات، الرقص، والهتاف. وتُقيّم لجنة تحكيم الفرق بناءً على مهاراتهم، صعوبة الحركات، بل وحتى الحماس والمظهر.
وهناك منافسة مشتقة تُدعى "STUNT"، وهي مسابقة حديثة نسبياً ومخصصة للإناث في الغالب، تجمع مهارات التشجيع التنافسي في شكل مواجهات مباشرة بين فريقين، فإذا كانت المنافسة في الملعب مشتعلة خلال المباريات فخارج الملعب هناك منافسة من نوع آخر تشتعل بين المشجعين.
هل التشجيع رياضة؟
بالنظر إلى هذا التاريخ الحافل، لا شك في أن التشجيع يحظى بشعبية كبيرة. ولكن على الرغم من ذلك، والطبيعة التنافسية للبعض، والمهارات الواضحة المطلوبة للمشاركة فيه، بل والتدريبات المستمرة للخروج بشكل منظم، يبقى السؤال مطروحاً: هل التشجيع أصبح رياضة؟
هناك مؤيدون يعتبرونه بالفعل رياضة في حد ذاته، فالمشجعون يتدربون مثل الرياضيين الآخرين. هم يرفعون الأوزان، ويقومون بتمارين القوة، التحمل، القفز، التوازن، والمرونة. وأظهرت بيانات من جامعة تكساس التقنية أن المشجعين يقضون وقتاً في نشاط بدني يوازي الركض في ماراثون. كما أن التشجيع يُعد من الرياضات عالية المخاطر، حيث يسجل معدلات إصابة مرتفعة.
والتاريخ الثقافي للتشجيع يعمل ضد قبوله كرياضة، إذ يُنظر إليه تقليديًا كنشاط ترفيهي وتكميلي لدعم الرياضات التي يهيمن عليها الذكور. وعند صياغة قانون "الباب التاسع" (TITLE IX) الذي يمنع التمييز الجنسي في المدارس الممولة فيدراليا في الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينيات، لم يُعتبر التشجيع رياضة تستحق التغطية بموجب هذا القانون.
وقامت ولايات أمريكية عدة، مثل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس، بتمرير قوانين تصنف التشجيع المدرسي كرياضة، وتفرض معايير سلامة وتدريب مماثلة للرياضات الأخرى. كما اعترفت اللجنة الأولمبية الدولية بالاتحاد الدولي للتشجيع في عام 2021، ما يمهد الطريق لظهوره في الألعاب الأولمبية. وأصدرت الرابطة الطبية الأمريكية والأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال سياسات تعتبر التشجيع رياضة، مطالبين بتوفير حماية مساوية للمشجعين.
على الطرف الآخر يرى البعض أن اعتبار التشجيع رياضة هو انتقاص من الرياضة التي قام عليها، ويؤكدون أنه رغم وجود مشجعين رياضيين بامتياز، إلا أن الأغلبية العظمى يقتصر دورها على التشجيع التقليدي على هامش الأحداث الرياضية الأخرى. ويشير المعارضون للفكرة إلى أن الهدف الأساسي للتشجيع هو تقديم عروض ترفيهية وداعمة لفرق أخرى، مما يجعله أقرب إلى الأداء الاستعراضي منه إلى الرياضة.
أيضا اعتبر المعارضون للفكرة أن الرياضة تُعرّف عادةً بأنها نشاط يتضمن منافسة بين أطراف. وفي حين توجد مسابقات تشجيع، إلا أن الغالبية الساحقة من المشجعين (نحو 90% في المدارس الثانوية) لا يشاركون في منافسات. وحتى المشجعين الجامعيين الذين يتنافسون، يقضون وقتاً أقل بكثير في المنافسات مقارنة بالرياضيين في رياضات أخرى مثل كرة السلة أو الكرة الطائرة.
ولا تعترف الرابطة الوطنية لرياضة الجامعات (NCAA) في الولايات المتحدة بالتشجيع كرياضة، ولم تبدِ أي نية للقيام بذلك. كما أن قانون "الباب التاسع" الفيدرالي الأمريكي لا يشمله كرياضة. أضف إلى ذلك أن التشجيع الاحترافي يفتقر للمنافسة ويعتمد بشكل أساسي على خلفيات راقصة لا رياضية، مما يجعله لا يلبي معايير الاعتراف كرياضة من قبل الهيئات الكبرى ويفقد مسار المهنة الرياضية المحترفة.
ربما قطاع التشجيع بأكمله يعد مادة دسمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه بالنسبة لأغلب متابعي كرة القدم حول العالم لا يعد موضوعاً مطروحاً للمناقشة، لغياب ذلك النوع الأمريكي من التشجيع عالمياً، إلا أن إقامة كأس العالم 2026 في أمريكا جعل الأمر يطفوا على الساحة، ليثير التساؤلات.
