في كل مباراة تقريباً من مباريات كأس العالم 2026، يتكرر المشهد ذاته.. مهاجم ينطلق نحو المرمى، المدافعون يتوقفون مطالبين بالتسلل، الجماهير تحبس أنفاسها، والحكم المساعد يواصل الركض دون أن يرفع رايته، وبعد ثوانٍ طويلة من الحيرة، تأتي الإشارة المتأخرة.
وهذا المشهد الذي يثير غضب اللاعبين والجماهير على حد سواء ليس خطأً تحكيمياً، بل أصبح جزءاً أساسياً من فلسفة التحكيم الحديثة في عصر تقنية الفيديو المساعد.
وقبل ظهور تقنية الفيديو، كان الحكم المساعد مطالباً باتخاذ القرار فوراً، وبمجرد الاشتباه بوجود تسلل، ترفع الراية ويوقف اللعب مباشرة.
أما اليوم، فتغيرت المعادلة بالكامل، وفي كثير من الحالات، تكون الفوارق بين التسلل الصحيح والقرار الخاطئ مجرد سنتيمترات أو حتى أجزاء من القدم لا يمكن تمييزها بالعين المجردة، ولذلك يطلب من الحكام المساعدين الانتظار وعدم إيقاف اللعب في الحالات المتقاربة، حتى تكتمل الهجمة ويصبح بالإمكان مراجعتها لاحقاً عبر تقنية الفيديو.
والهدف من ذلك بسيط، وهو منع حرمان الفريق المهاجم من فرصة شرعية بسبب قرار متسرع قد يتبين لاحقاً أنه خاطئ.
ويرى المدافعون عن هذه الآلية أنها ضريبة ضرورية لتحقيق العدالة التحكيمية، فلو رفع الحكم المساعد رايته مبكراً وأوقف هجمة صحيحة انتهت بهدف، فلن تكون هناك وسيلة لإعادة تلك الفرصة الضائعة.
ولكن الجانب الآخر من النقاش لا يقل قوة، فكثير من الجماهير يشعر بأن كرة القدم فقدت جزءاً من عفويتها، إذ أصبح الاحتفال بالأهداف مؤجلاً بانتظار مراجعة الفيديو، بينما تحولت بعض اللقطات إلى حالة من الترقب والارتباك بدلاً من الانفجار العاطفي المعتاد.
والسؤال المثير للجدل.. لماذا لا ترفع الراية في حالات التسلل الواضحة؟
ورغم تفهم الكثيرين لفكرة الانتظار في الحالات المتقاربة، فإن الجدل يشتعل عندما يتعلق الأمر بحالات تبدو واضحة للجميع.
ففي بعض اللقطات يظهر المهاجم متقدماً بمتر أو أكثر عن آخر مدافع، ومع ذلك يواصل الحكم المساعد الركض تاركاً اللعب يستمر لعدة ثوانٍ إضافية قبل رفع الراية.
وهذا المشهد يثير تساؤلات عدة: إذا كان التسلل واضحاً لهذه الدرجة، فلماذا لا يتم إيقاف اللعب فوراً؟
الإجابة تكمن في أن الحكام تلقوا تعليمات بتجنب أي قرار مبكر قد يكون خاطئاً، حتى لو بدا واضحاً من زاوية معينة، فسرعة اللعب واختلاف زوايا الرؤية قد تخدع العين البشرية، لذلك يفضل الحكام في كثير من الأحيان منح الأفضلية لاستمرار اللعب.
ولكن هناك جانباً آخر أكثر حساسية من مجرد الجدل الجماهيري، فاستمرار اللعب في لقطة متسللة بشكل واضح قد يؤدي إلى احتكاكات وتدخلات عنيفة كان يمكن تجنبها بالكامل لو تم إيقاف الهجمة منذ بدايتها، وفي أسوأ السيناريوهات، قد يتعرض لاعب لإصابة خلال لعبة كان من المفترض أن تتوقف قبل ثوانٍ.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يزال مطروحاً بقوة داخل أروقة كرة القدم العالمية.. هل تستحق الدقة التحكيمية المطلقة كل هذا التأخير، أم أن اللعبة بحاجة إلى توازن جديد يحافظ على العدالة دون التضحية بالإيقاع والإثارة وسلامة اللاعبين؟
وحتى الآن، يبدو أن كرة القدم اختارت الدقة أولاً، حتى لو اضطر الجميع إلى الانتظار قبل رؤية الراية ترتفع.
