كثيراً ما تتقاطع الطرق قبل أن تتفرع نحو وجهات مختلفة في الحياة، لكن قصة الشقيقين دوي في كرة القدم تبدو وكأنها كُتبت بعناية لتجسد معنى الحلم المشترك والمصير المختلف.
وقبل أكثر من عقد من الزمن، كان ديزيري دوي طفلاً في الخامسة من عمره يلهو بكرة مهترئة على هامش أحد ملاعب نادي رين الفرنسي، بينما كان شقيقه الأكبر غويلا يخضع لاختبارات الانضمام إلى فرق الفئات السنية بالنادي، وفي تلك اللحظة التي بدت عادية للجميع، اتخذ مسؤولو رين قراراً سيغير حياة الأسرة بأكملها، بعدما قرروا التعاقد مع الشقيقين معاً.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت رحلة استثنائية جمعت الأخوين في الملاعب نفسها والأحلام نفسها، قبل أن تقودهما كرة القدم إلى طريقين مختلفين نحو كأس العالم 2026.
وكان ديزيري أول من خطف الأضواء، فمنذ تصعيده إلى الفريق الأول لرين في أغسطس 2022، كشف عن موهبة استثنائية جعلته أحد أبرز الأسماء الصاعدة في الكرة الفرنسية، أما غويلا، فقد سجل ظهوره الأول مع الفريق في فبراير 2023، في لقطة رمزية عندما دخل بديلاً لشقيقه الأصغر خلال الفوز على ستراسبورغ بثلاثية نظيفة، بعد عرض رائع من ديزيري سجل خلاله هدفاً وصنع آخر.
ومع نهاية موسم 2023-2024، بدأت مرحلة جديدة في حياة الأخوين، حيث انتقل غويلا إلى ستراسبورغ في يوليو 2024 بحثاً عن تحدٍ جديد، قبل أن يلحق به ديزيري بعد شهر واحد فقط، لكن إلى وجهة أكثر بريقاً، عندما انضم إلى باريس سان جيرمان في صفقة كبيرة وضعت اسمه بين أبرز نجوم المستقبل في أوروبا.
ورغم تشابه المسار العائلي، فإن الطريق الدولي كان مختلفاً تماماً، فالأخوان المولودان في مدينة أنجيه لأم فرنسية وأب من كوت ديفوار، وجدا نفسيهما يمثلان بلدين مختلفين على الساحة الدولية.
واختار غويلا الدفاع عن ألوان منتخب كوت ديفوار، وأصبح منذ استدعائه الأول في مارس 2024 أحد الركائز الأساسية في تشكيلة «الأفيال».
وفي المقابل، شق ديزيري طريقه نحو المنتخب الفرنسي الأول، وسرعان ما فرض نفسه ضمن خيارات المدرب ديدييه ديشامب، ليحجز مكانه في قائمة فرنسا المشاركة في كأس العالم 2026 بعد ست مباريات دولية فقط.
ويتحدث ديزيري عن علاقته بشقيقه لموقع الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، قائلاً: «نحن مثل التوأم تماماً، ونتشارك كل شيء ولا توجد بيننا أسرار، إنه السند الأكبر لي في حياتي اليومية».
أما غويلا، فكان قد قال قبل سنوات: «أنا أمهد الطريق، وهو يتبع خطواتي، ونحن حريصان على إظهار المعدن الحقيقي لعائلة دوي»، وهي كلمات تحولت مع الوقت إلى حقيقة على أرض الملعب.
وخلال الموسم الماضي، رسخ غويلا مكانته كأحد أبرز الأظهرة في الدوري الفرنسي، وقاد ستراسبورغ في عدة مناسبات بشارة القيادة، مساهماً في وصول الفريق إلى نصف نهائي دوري المؤتمر الأوروبي.
وفي المقابل، واصل ديزيري صعوده الصاروخي مع باريس سان جيرمان، ليصبح أحد أهم عناصر الفريق الذي احتفظ بلقب دوري أبطال أوروبا للعام الثاني توالياً، وفي نهائي 2025، أبدع بشكل لافت بعدما سجل هدفين وصنع هدفاً آخر في الفوز التاريخي بخماسية نظيفة على إنتر ميلان، كما واصل تألقه في النسخة الأولى من كأس العالم للأندية، حيث نال جائزة أفضل لاعب شاب في البطولة.
والآن، يقف الشقيقان على أعتاب أكبر تحدٍ في مسيرتهما الكروية، إذ تدخل فرنسا كأس العالم بين أبرز المرشحين للفوز باللقب الثالث في تاريخها، مستندة إلى كوكبة من النجوم يتقدمها كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي ومايكل أوليسيه، فيما تحلم كوت ديفوار بقيادة جيل موهوب يضم أماد ديالو ويان ديوماندي ونيكولاس بيبي بكتابة تاريخ جديد وتجاوز دور المجموعات للمرة الأولى.
وقبل أن تبدأ مغامرة المونديال في أمريكا الشمالية، قد يلتقي الشقيقان وجهاً لوجه في مباراة ودية بين فرنسا وكوت ديفوار بمدينة نانت، في مواجهة قد تكون مجرد بروفة لما هو أكبر، إذا ما قررت الأقدار أن تجمعهما مجدداً في كأس العالم.
وعندها فقط، لن يكون الانقسام داخل منزل عائلة دوي بين منتخبين مختلفين مجرد قصة جميلة، بل فصلاً جديداً من حكاية أخوين انطلقا معاً من ملعب صغير في رين، قبل أن يفترقا في الطريق نحو الحلم الأكبر.
