تكتب الكرة قصصاً جديدة من المجد والدموع والانتصارات في كل نسخة من كأس العالم، ولكن بعض الحكايات تحمل طابعاً أكثر خصوصية، فهناك لاعبون لا يطاردون حلم المشاركة في المونديال فحسب، بل يسعون أيضاً إلى السير على خطى آبائهم الذين سبق أن تركوا بصماتهم على المسرح الأكبر في عالم كرة القدم.
وعلى مدار تاريخ البطولة شهد كأس العالم مشاركة 27 ثنائياً من الآباء والأبناء، بينهم أسماء خالدة مثل عائلات فورلان وشمايكل وتورام وألونسو ومالديني وكلويفرت، ومع اقتراب مونديال 2026 يبدو أن القائمة مرشحة لاستقبال وجوه جديدة تحمل الألقاب نفسها، والطموحات ذاتها.
وفي الولايات المتحدة يترقب سيباستيان بيرهالتر، فرصة كتابة فصله الخاص بعد أكثر من عقدين على ظهور والده غريغ بيرهالتر في مونديالي 2002 و2006، والأب كان صخرة دفاعية أسهمت في وصول المنتخب الأمريكي إلى ربع النهائي في كوريا واليابان، قبل أن يعود لاحقاً لقيادة المنتخب مدرباً في مونديال قطر 2022، أما الابن فقد شق طريقه بثبات إلى تشكيلة المنتخب الأمريكي، مدعوماً بموسم مميز، وأداء أقنع المدرب ماوريسيو بوتشيتينو بمنحه الثقة.
وفي البرتغال تبدو القصة أكثر عائلية، فبعد أن ارتدى سيرجيو كونسيساو قميص منتخب بلاده في مونديال 2002، بات نجله فرانسيسكو إحدى أبرز المواهب الهجومية البرتغالية، والجناح القصير القامة، الكبير موهبة، خطف الأضواء في كأس أوروبا 2024، وواصل تألقه في دوري الأمم الأوروبية، ليصبح مرشحاً لقيادة جيل جديد يحلم بإنجاز عالمي.
أما في كوريا الجنوبية فإن رحلة لي تاي-سوك تحمل الكثير من الإلهام، ووالده لي يول-يونغ سجل هدفاً تاريخياً في مونديال 2002، وأسهم في أفضل إنجاز كوري على الإطلاق، واليوم يسير الابن على الدرب نفسه، بعدما فرض نفسه كونه أحد أبرز الأظهرة الهجومية في الكرة الكورية، مستفيداً من موهبته ومن قصة والده، الذي لم يصبح لاعباً محترفاً إلا في سن الثالثة والعشرينن بعد أن عمل لسنوات خارج ملاعب كرة القدم.
وفي أسكتلندا يقف أنغوس غَن أمام فرصة تحقيق ما لم يحققه والده برايان غن، فالأب حضر إلى مونديال إيطاليا 1990 حارساً احتياطياً، ولم يخض أي مباراة، بينما أصبح الابن الحارس الأول لمنتخب أسكتلندا، ويأمل بالظهور على المسرح العالمي بعد سنوات من الانتظار.
وتبقى الأنظار متجهة نحو النرويج، حيث يحمل إرلينغ هالاند، إرثاً عائلياً وثقلاً هجومياً هائلاً، إذ قبل أكثر من ثلاثة عقود، شارك والده ألفي هالاند في مونديال الولايات المتحدة 1994، وأسهم في عودة النرويج إلى البطولة بعد غياب طويل، أما اليوم فإن الابن يدخل كأس العالم كونه واحداً من أخطر المهاجمين في العالم، بعدما أصبح أول لاعب منذ أكثر من نصف قرن يصل إلى 50 هدفاً دولياً في أقل من 50 مباراة.
وفي هولندا تتجدد حكاية عائلة كلويفرت، فباتريك كلويفرت كان أحد نجوم مونديال فرنسا 1998، وسجل أهدافاً حاسمة، قادت الطواحين إلى نصف النهائي، وبعد سنوات طويلة أصبح جاستن كلويفرت وجهاً أساسياً في المنتخب الهولندي، باحثاً عن إنجاز يعيد اسم العائلة إلى واجهة البطولة.
أما في الأرجنتين فإن جوليانو سيميوني يحمل إرث والده دييغو سيميوني، القائد المقاتل، الذي خاض ثلاثة كؤوس عالم وارتبط اسمه بإحدى أشهر لحظات مونديال 1998 أمام إنجلترا، الابن بات اليوم جزءاً مهماً من مشروع منتخب الأرجنتين، بعدما أثبت حضوره مع أتلتيكو مدريد ومنتخب التانغو.
وفي النرويج أيضاً يقف كريستيان ثورستفيدت على أعتاب إنجاز عائلي جديد، فوالده إريك ثورستفيدت حرس مرمى النرويج في مونديال 1994 وخرج بفارق الأهداف فقط، بينما أسهم الابن في قيادة منتخب بلاده إلى التأهل لمونديال 2026، والمفارقة أن إريك لعب إلى جانب ألفي هالاند في البطولة نفسها، وقد يصبح ابناهما، كريستيان وإرلينغ، أول أبناء لزميلين سابقين في كأس العالم يشاركان معاً في نسخة واحدة من البطولة.
وربما تكون القصة الأكثر إثارة هي تلك المرتبطة باسم زيدان، فزين الدين زيدان لا يُعد مجرد بطل مونديال، بل أحد أعظم من لمسوا الكرة في تاريخ اللعبة، بعدما قاد فرنسا إلى لقب 1998 ثم إلى نهائي 2006، واليوم يقترب ابنه لوكا زيدان من تحقيق حلم العائلة مجدداً، ولكن بقميص مختلف، بعدما اختار تمثيل الجزائر وخاض أولى مبارياته الدولية معها، ليصبح على بعد خطوة من إعادة اسم زيدان إلى أكبر مسرح كروي في العالم.
وهكذا، وبين آباء صنعوا التاريخ وأبناء يسعون إلى إعادة كتابة فصوله، يبدو مونديال 2026 أكثر من مجرد بطولة عالمية، إنه موعد جديد بين الأجيال، حيث تتحول الأسماء المحفورة في الذاكرة إلى إرثٍ يتوارثه الأبناء، ويواصلون من خلاله مطاردة الحلم ذاته تحت الأضواء نفسها.
