حكايات مونديال 1934 : إيطاليا تكتب المجد ومصر تصنع التاريخ


شكّلت النسخة الثانية لكأس العالم لكرة القدم عام 1934 محطة بارزة في تاريخ اللعبة، وشهت تحولاً مهماً، بعدما أصبحت الأولى التي تُفرض فيها تصفيات مسبقة لتحديد المنتخبات المشاركة، حيث تقدّمت 32 دولة، تأهل منها 16 منتخباً إلى النهائيات. وغاب حامل اللقب منتخب أوروغواي عن البطولة، احتجاجاً على مقاطعة منتخبات أوروبية لنسخة 1930 التي أقيمت في مونتفيديو عاصمة أوروغواي.


وتُوّج المنتخب الإيطالي باللقب بعد فوزه على تشيكوسلوفاكيا بنتيجة 2-1، ليصبح ثاني بطل في تاريخ كأس العالم، وأول منتخب أوروبي يحرز الكأس.


وجاء اختيار إيطاليا لاستضافة البطولة بعد سلسلة اجتماعات للجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، حيث تم الحسم خلال اجتماع في استوكهولم في 9 أكتوبر 1932، دون اللجوء إلى تصويت رسمي، متفوقة على ملف السويد. وقد خصصت الحكومة الإيطالية ميزانية قدرها 3.5 ملايين ليرة لتنظيم الحدث.


التصفيات والمشاركون


ومع تقدم 32 منتخباً، تم تنظيم تصفيات بنظام جغرافي لتقليص العدد إلى 16 فريقاً، رغم تسجيل غيابات لافتة، أبرزها أوروغواي، إلى جانب منتخبات بريطانيا التي كانت في فترة ابتعاد ذاتي عن «فيفا»، واعتبرت البطولة آنذاك أقل أهمية من بطولتها المحلية.


ورغم كونها الدولة المضيفة، اضطرت إيطاليا لخوض التصفيات، في سابقة هي الوحيدة من نوعها في تاريخ كأس العالم. كما أدت انسحاب منتخبي تشيلي وبيرو إلى تأهل الأرجنتين والبرازيل دون خوض مباريات.
وتم توزيع المقاعد الـ16 بواقع 12 لأوروبا، وثلاثة للأمريكتين، ومقعد واحد لأفريقيا أو آسيا، حيث كانت مصر المنتخب الأفريقي الوحيد الذي بلغ النهائيات، إلى جانب الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين كممثلين من خارج أوروبا.


وقبل انطلاق البطولة بثلاثة أيام فقط، حُسم المقعد الأخير عبر مباراة فاصلة في روما بين الولايات المتحدة والمكسيك، انتهت بفوز المنتخب الأمريكي وتأهله إلى النهائيات.


للمرة الأولى والوحيدة، اضطرّ المنتخب المُضيف إلى خوض التصفيات. ولحسن حظ إيطاليا – والبطولة – نجحت في التأهل بعدما أمطرت شباك اليونان بأربعة أهداف دون رد.


أقيمت النهائيات هذه المرة بنظام المواجهات الفاصلة منذ الدور الأول، حيث غاب نظام المجموعات الذي طبق في النسخة الأولى.


وأقيمت فعاليات هذه النسخة على ملاعب 8 مدن إيطالية بعدما أقيمت فعاليات النسخة الأولى على 3 ملاعب جميعها في مونتفيديو.


هداف النسخة الثانية


حصد أولدريتش نييدلي، لاعب منتخب تشيكوسلوفاكيا السابق جائزة هداف كأس العالم 1934، برصيد 5 أهداف، وقاد  نييدلي منتخب بلاده إلى المباراة النهائية، لكنه اصطدم بأصحاب الأرض وخسر بنتيجة 1-2.


أول مشاركة عربية


كان من المقرر أن تشارك مصر في أول نهائيات عالمية في 1930، لكن عاصفة أخّرت سفينتها المتجهة إلى مرسيليا. وهناك غادرت السفينة «فلوريدا» إلى أوروغواي من دونهم. وبعد أربع سنوات، أصبحت مصر أول منتخب أفريقي وعربي يشارك في كأس العالم، حيث سجّل عبد الرحمن فوزي هدفين في خسارة مشرفة 4-2 أمام المجر. ولم تُسجّل القارة حضوراً جديداً في البطولة إلا بعد 36 عاماً.


قصص وحكايات


لم تخلُ النسخة الثانية من كأس العالم عام 1934 من قصص طريفة وحكايات لافتة، عكست أجواء تلك الحقبة التي كانت فيها كرة القدم لا تزال في طور التشكّل العالمي.


ومن أبرز هذه الروايات، ما قام به نادي باليسترا إيطاليا البرازيلي، المعروف حالياً باسم بالميراس، حين لجأ إلى إخفاء عدد من نجومه، من بينهم اللاعبان لارا وروميو بيليتشاري، داخل مزرعة قرب ساو باولو، تحت حراسة مسلحة، وذلك لتجنّب استدعائهم لتمثيل المنتخب الإيطالي في البطولة.


وفي غياب هؤلاء، استغرقت بعثة البرازيل 12 يوماً للوصول إلى مدينة جنوة على متن السفينة «كونتي بيانكامانو»، قبل أن تودّع المنافسات سريعاً بعد ثلاثة أيام فقط بخسارتها أمام إسبانيا، التي صادف أنها كانت على متن الرحلة ذاتها.


وتتحدث روايات تلك الحقبة عن واقعة لافتة، إذ يُقال إن الحارس الإسباني ريكاردو زامورا راقب مهاجم البرازيل فالدمار دي بريتو أثناء تدريبه على ركلات الجزاء فوق السفينة، ما ساعده لاحقاً على توقّع اتجاه تسديدته والتصدي لها خلال المباراة التي أُقيمت على ملعب لويجي فيراريس.


وفي سياق آخر، شهد ربع النهائي بين إيطاليا وإسبانيا رقماً استثنائياً، إذ خاض سبعة لاعبين إيطاليين وأربعة إسبان ما مجموعه 210 دقائق خلال أقل من 24 ساعة. فقد أُقيمت مباراة الإعادة بعد 21 ساعة ونصف فقط من انتهاء اللقاء الأول الذي امتد إلى 120 دقيقة، وانتهت بفوز «الآزوري» بهدف دون رد.


أصغر حكم في النهائي


وفي المباراة النهائية، أدار الحكم السويدي إيفان إكليند اللقاء وهو في سن 28 عاماً، ليبقى حتى اليوم أصغر حكم يقود نهائياً في تاريخ كأس العالم، وثاني أصغر من أدار مباراة في البطولة.


وشهد النهائي أيضاً واقعة فريدة، حيث حمل شارة القيادة حارسا مرمى الفريقين: جيانبييرو كومبي لإيطاليا، وفرانتشيشك بلانيشكا لتشيكوسلوفاكيا، في سابقة لم تتكرر لاحقاً.


ولم يظهر حارس مرمى قائداً في نهائي كأس العالم مجدداً إلا بعد 48 عاماً، حين قاد دينو زوف منتخب بلاده، قبل أن يتكرر المشهد مع أوليفر كان وإيكر كاسياس وهوغو لوريس في نسخ لاحقة.