بالوتيلي: احترافي في الإمارات مشروع وليس من أجل المال

المواهب الحقيقية لا تصنع داخل الأكاديميات ولكن في الشوارع والحدائق

بعد سنوات طويلة عاش خلالها تحت الأضواء، بين التألق والإثارة والجدل، يبدو أن ماريو بالوتيلي وصل أخيراً إلى مرحلة مختلفة من حياته، بات فيها أكثر هدوءاً ونضجاً، وأكثر قدرة على النظر إلى مسيرته الكروية بعين مختلفة، وترى صحيفة «الغارديان» أن اسم بالوتيلي، خصوصاً في إيطاليا، ظل لسنوات مرتبطاً بأسئلة تتكرر باستمرار.. ماذا سارت الأمور بصورة مختلفة؟ ماذا لو استثمر المهاجم الإيطالي موهبته الاستثنائية بالطريقة التي كان يتوقعها الجميع؟ وماذا لو تمكن صاحب الإمكانات الهائلة من الحفاظ على الاستمرارية التي تؤهله لأن يصبح واحداً من أفضل لاعبي العالم؟

ولكن بالوتيلي، البالغ من العمر 36 عاماً، يبدو اليوم أكثر تصالحاً مع نفسه ومع مسيرته، بعدما أدرك أن كرة القدم لا تقاس فقط بما كان يمكن أن يحدث، وإنما أيضاً بما تحقق بالفعل، وفي حديثه مع الصحفية الإنجليزية، كشف المهاجم الإيطالي عن تفاصيل حياته الجديدة في الإمارات، وتحدث بصراحة عن معاناة كرة القدم الإيطالية، وعلاقته بالمنتخب، وذكرياته مع مانشستر سيتي، كما وجه رسالة إلى نفسه عندما كان في السادسة عشرة من عمره.

اختار بالوتيلي خوض تجربة جديدة في المنطقة، بعدما انضم إلى نادي الاتفاق الإماراتي في يناير 2026 بعقد يمتد لعامين ونصف، مؤكداً أن المال لم يكن الدافع الرئيسي وراء انتقاله، وقال عن قراره: بصراحة، كانت فكرة خطرت لي في اللحظات الأخيرة تقريباً،  أراد رئيس النادي مقابلتي، وتحدثنا، وأثار المشروع اهتمامي، ودائماً ما يقول الناس، أنت تذهب إلى دبي من أجل المال، ولكن الحمد لله، أنا لست بحاجة إليه، ولذلك لم يكن المال هو الهدف الوحيد، كان المشروع في الواقع رائعاً وتنافسياً، وأعجبتني الفكرة وقررت خوض التجربة.

ويبدو أن بالوتيلي وجد في التجربة الإماراتية فرصة للاستمتاع بكرة القدم من جديد، بعيداً عن الضغوط التي رافقت معظم مراحل مسيرته، إلى جانب تحقيق حلم عائلي قديم يتمثل في اللعب إلى جوار شقيقه إينوك بارواه، إذ لم يكن اللعب مع شقيقه قراراً عابراً بالنسبة إلى بالوتيلي، وإنما حلم قديم رافقهما منذ الصغر، ويقول المهاجم الإيطالي: "إنه لأمر رائع، ومنذ صغرنا، كنا نقول دائماً إننا سنلعب معاً يوماً ما".

ويتذكر بالوتيلي كيف كان شقيقه يسأله عندما كانا صغيرين: إذا لعبتَ لإنتر أو ميلان أو مانشستر سيتي، كيف يمكنني اللعب معك؟"، وكان رد ماريو آنذاك يحمل شيئاً من المزاح وشيئاً من الواقعية، إذ كان يقول لشقيقه إنه عندما يكبر ربما يلعب لفريق أقل مستوى، وربما يمنحه ذلك فرصة اللعب إلى جانبه، ويقول اليوم: "لطالما كان هذا حلماً، والآن يتحقق.

وعن تجربته الكروية في الإمارات، يرى بالوتيلي أن هناك جوانب إيجابية واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بالبنية التحتية والملاعب.

وقال: من ناحية البنية التحتية، الوضع ممتاز، والملاعب رائعة"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى مشكلة يراها مؤثرة، وهي الحضور الجماهيري، قائلاً: "المشكلة تكمن في أنه لا يوجد جمهور، وهذا أمر مؤسف بعض الشيء".

كما تحدث عن الجانب التنظيمي، مؤكداً أن هناك مساحة للتحسن، لكنه يتوقع أن تتطور الأمور مع مرور الوقت، وأضاف: "التنظيم أيضاً بحاجة إلى تحسين، لكنني أعتقد أنهم سيحسنونه مع الوقت، وأنا أتحدث عن جميع الفرق على اختلاف مستوياتها".

ورغم ابتعاده عن إيطاليا، لا يزال بالوتيلي يتابع عن كثب أزمات كرة القدم في بلاده، خصوصاً بعد فشل المنتخب الإيطالي في التأهل إلى ثلاث نسخ متتالية من كأس العالم، ويرى المهاجم السابق لـ«الأزوري» أن أسباب الأزمة ليست معقدة بالقدر الذي يعتقده البعض، وأن المشكلة تبدأ من مكان أبسط بكثير: الشارع والحديقة، وقال: "المشكلات، في رأيي، بسيطة للغاية، وأفضل تقديم تفسيرات عملية بدلاً من التفسيرات الفنية، استناداً إلى الحياة اليومية وما أراه في إيطاليا".

ويستعيد بالوتيلي ذكريات طفولته، عندما كانت كرة القدم جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للأطفال، ويقول: عندما كنا صغاراً، كنا نلعب كرة القدم لساعات طويلة، وأتذكر غضب أمي مني لأنني كنت أبقى في الخارج حتى يحل الظلام ولا أستطيع رؤية الكرة.

وكانت عائلته تهدده بحرمانه من الخروج في اليوم التالي، لكنه كان يعود دائماً إلى اللعب، أما اليوم، فيرى بالوتيلي مشهداً مختلفاً تماماً، ويضيف: الآن، عندما أتجول في مدن مثل بريشيا، مع أنني أرى ذلك في مدن إيطالية أخرى أيضاً، أجد الحدائق خالية، ولا يوجد أحد في الجوار.

ويحمل بالوتيلي التكنولوجيا الحديثة جزءاً من مسؤولية تراجع ثقافة كرة القدم الشعبية في إيطاليا، مشيراً تحديداً إلى الهواتف وأجهزة الكمبيوتر وألعاب الفيديو، وقال: "أفسدت أجهزة الكمبيوتر والهواتف وأجهزة بلاي ستيشن الكثير، ولكن المشكلة، من وجهة نظره، لا تتعلق بالأطفال وحدهم، وإنما أيضاً بتغير عقلية الآباء".

ويقارن ذلك بما كان يعيشه جيله، حين كان التدريب المنظم مجرد جزء من التطور، بينما كان الجزء الأكبر يحدث في الشوارع والحدائق، ويقول: "كنا نخضع لنفس التدريبات المنظمة، بالإضافة إلى ثلاث ساعات من اللعب في الحديقة كل يوم، والتي كانت تبدو ممتعة ولكنها في الواقع كانت تدريباً إضافياً".

ويؤمن بالوتيلي بشدة بأن المواهب الحقيقية لا تصنع بالكامل داخل أكاديميات كرة القدم، وإنما تحتاج إلى بيئة مفتوحة تسمح للطفل باللعب والتجربة وارتكاب الأخطاء، وقال: "أؤمن حقاً أن المواهب تولد في الشوارع والحدائق، وكنت تلعب كثيراً، وتتعلم كثيراً، وتختبر نفسك أمام أطفال أكبر سناً، وإذا كنت جيداً، لم يسمحوا لك باللعب مع أطفال في سنك؛ بل جعلوك تلعب مع الأكبر سناً".

ويؤكد أن تلك المواجهات المبكرة كان لها تأثير كبير في تكوين شخصيته وتطوير مستواه، وقال: "كانت تلك اختبارات أفادتني كثيراً على المدى الطويل، ولطالما كان اللعب مع من هم أكبر مني سناً أحد أهم الأشياء في مسيرتي المهنية"، ويرى أن الفارق بين جيله والجيل الحالي أصبح واضحاً بصورة كبيرة، ويقول: "اليوم، الأطفال منشغلون بهواتفهم، ويشعرون وكأنهم رونالدينيو لأنهم يشاهدون فيديوهاته. وشعرت بأنني رونالدو لأنني كنت أستطيع بالفعل القيام بنفس الحركات في الحديقة، إنه أمر مختلف تماماً".

ورغم تشاؤمه من الواقع الحالي لكرة القدم الإيطالية، فإنه لا يرى أن الأزمة ستستمر إلى الأبد، ولا يزال بالوتيلي الذي خاض 36 مباراة دولية مع المنتخب الإيطالي وسجل 14 هدفاً، يؤمن بأن "الأزوري" قادر على العودة إلى القمة، وقال: "نعم، أعتقد ذلك بالنسبة للأجيال القادمة، وربما ليس على الفور، ولكن خلال الجيلين أو الثلاثة أجيال القادمة، ومن الطبيعي أن تمر أي دولة بفترات ركود، لكنها سرعان ما تتعافى. إسبانيا وفرنسا وألمانيا جميعها مرت بهذه الفترات.

وعند الحديث عن المنتخب الإيطالي، لا يمكن تجاوز اسم روبرتو مانشيني، الذي أعيد تعيينه مدرباً للمنتخب، والذي لعب دوراً محورياً في مسيرة بالوتيلي، خصوصاً خلال سنواته الأكثر نجاحاً، وكشف بالوتيلي عن تواصل حديث بينهما، قائلاً إن مانشيني أرسل إليه رسالة نصية لتهنئته بعيد ميلاده، ويقول بالوتيلي إنه مازحه بالرد: "انظر، ما زلت قادراً على اللعب، وأنا سعيد جداً بعودته للمنتخب، وأكن له كل التقدير وأتمنى له كل التوفيق.

ولكن بالوتيلي يرى أن تحميل المدربين وحدهم مسؤولية تراجع المنتخب الإيطالي أمر غير عادل، وقال: "في إيطاليا، يميل الناس إلى إلقاء اللوم على المدربين كثيراً، ولكن بصراحة، يجب أن يتحمل النظام جزءاً أكبر من المسؤولية، إنها الحقيقة التي لا أحد يريد قولها.

والمفارقة أن آخر مباراة خاضها بالوتيلي مع المنتخب الإيطالي كانت في 7 سبتمبر 2018 أمام بولندا في بولونيا، وهي المباراة التي صادفت أيضاً أول مباراة رسمية لمانشيني خلال فترته الأولى مدرباً للمنتخب، وبعد سنوات من الغياب، لا يغلق بالوتيلي الباب أمام العودة إلى المنتخب تحت قيادة المدرب نفسه، وعندما سُئل عما إذا كان يمكن أن يلعب مجدداً لإيطاليا مع مانشيني، جاءت إجابته حاسمة ومختصرة: نعم إذا واصلت التسجيل.

وتبقى السنوات الثلاث التي قضاها بالوتيلي في مانشستر سيتي واحدة من أبرز فصول مسيرته، بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات وأحداث مثيرة، وخلال وجوده في النادي الإنجليزي، توج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز وكأس الاتحاد الإنجليزي تحت قيادة مانشيني، ويؤكد بالوتيلي أن تلك الفترة لا تزال واحدة من أجمل ذكرياته الكروية، بقوله: "لا تزال هذه الفترة من أجمل ذكريات مسيرتي.

ولكن ما يمنح تلك التجربة قيمة خاصة بالنسبة له هو أنه كان جزءاً من مرحلة التحول الكبرى للنادي، وأوضح: "في ذلك الوقت، لم يكن السيتي يتمتع بالشهرة التي يتمتع بها اليوم، وانضممنا إلى الفريق الذي خطا الخطوات الأولى نحو ما وصل إليه السيتي اليوم، وهذا يمنحك شعوراً مميزاً، بل له قيمة أكبر بكثير".

ومع اقترابه من نهاية مسيرته، لا يزال بالوتيلي متمسكاً بفكرة الاستمرار طالما أن جسده يسمح له بذلك، ويقول: "أشعر أنني بحالة جيدة، وأتعافى من إصابة طفيفة في ساقي، لكنني أتدرب، والأمور تسير على ما يرام، واللعب في أجواء المنطقة يفرض تحدياً إضافياً، يتمثل في درجات الحرارة المرتفعة، ولكن إذا نظمت طاقتك واستخدمت عقلك، يمكنك تقديم أداء جيد، والرغبة في اللعب لا تزال أقوى من التفكير في الاعتزال.

وأضاف: "على أرض الملعب، أريد أن ألعب طالما أشعر أنني بحالة جيدة، واللعب هو ما أحب فعله، لذا طالما أن جسدي لا يقول كفى، سأستمر"، وبالوتيلي يعرف أن لحظة الاعتزال ستأتي يوماً ما، ويبدو أنه بدأ بالفعل في التفكير في الحياة التي تنتظره بعد كرة القدم، ويقول إنه يرغب بعد نهاية مسيرته في إدارة أعماله والتركيز على أطفاله.

ولكن بعد مسيرة وصفها بنفسه بأنها كانت حافلة بالأحداث، فإنه لا يبحث عن المزيد من الضجيج، ويقول: أفضل الهدوء والسكينة، لقد كانت مسيرتي الكروية حافلة بالنشاط، لذا فإن نمط حياة هادئ لن يكون سيئاً.

وربما كان السؤال الأكثر دلالة هو ما النصيحة التي كان سيوجهها بالوتيلي إلى نفسه لو أتيح له العودة إلى عمر السادسة عشرة، وبعد مسيرة مليئة بالموهبة والبطولات والجدل والفرص الضائعة، لم يتردد في تحديد الإجابة، وقال: سأنصحه بعدم اتخاذ خيارات معينة، وأن يستمع إلى أشخاص معينين في أوقات محددة.