تجاوزت القيمة السوقية للدوري السعودي حاجز المليار يورو لتصل إلى نحو 1.28 مليار، وبلغت 418 مليون يورو لدوري أدنوك للمحترفين في الإمارات، مقابل 339 مليوناً للدوري القطري و102 مليون للدوري العراقي و38 مليوناً فقط للدوري العُماني، كما أنفقت الأندية السعودية وحدها نحو 484 مليون يورو خلال فترة الانتقالات الصيفية للموسم الحالي، وفق بيانات موقع «ترانسفير ماركت».
أرقام ترسم، للوهلة الأولى، صورة كرة خليجية تعيش واحدة من أكبر طفراتها الاقتصادية، مدفوعة باستثمارات ضخمة، واستقطاب نجوم عالميين، وتطوير المنشآت وتحول الأندية إلى كيانات أكثر تنظيماً لكن خلف هذه الواجهة تبرز تحديات أعمق تتعلق بصناعة اللاعب واستدامة الأندية وتفاوت تطبيق الاحتراف وندرة المواهب، وصولاً إلى الاعتماد المتزايد لدى بعض المنتخبات على اللاعبين المجنسين.
وتكشف «خليجي 27» المقامة حالياً في جدة جانباً من هذه المفارقة؛ فالفوارق لم تعد تقتصر على مستوى المنتخبات داخل الملعب، بل تمتد إلى قوة الدوريات وإمكانات الأندية ونوعية التكوين وحجم قاعدة اللاعبين.
ويأتي تفاوت تطبيق الاحتراف في مقدمة التحديات. ففي الوقت الذي قطعت فيه بعض الدوريات الخليجية خطوات كبيرة على مستوى الإنفاق والتسويق واستقطاب اللاعبين والمدربين، لا تزال دوريات أخرى تعمل بإمكانات أقل بكثير.
ولا يقتصر الاحتراف على قيمة العقود أو عدد اللاعبين الأجانب، بل يشمل الحوكمة والاستقرار المالي والإدارة والتسويق وتطوير الناشئين، وهي عناصر يضعها الاتحاد الآسيوي ضمن الأسس الرئيسة لنظام ترخيص الأندية المحترفة.
وهكذا تبدو الكرة الخليجية وكأنها تتحرك بسرعات مختلفة، ما ينعكس في النهاية على مستوى المسابقات المحلية والمنتخبات، ففي الوقت الذي دفعت فيه السعودية بمشروعها إلى مستوى غير مسبوق من الإنفاق واستقطاب النجوم، وواصلت قطر البناء على مشروع طويل الأمد، وعززت الإمارات نموذج الأندية المحترفة والشركات والاستثمار في تطوير اللعبة، لا تزال دوريات أخرى تعمل بإمكانات مالية وتنظيمية أقل، ما انعكس على حجم السوق وقدرتها على جذب اللاعبين ونوعية المنافسة.
تفاوت التصنيف
يعكس تصنيف الاتحاد الآسيوي لكرة القدم لمسابقات الأندية حجم التفاوت بين الدوريات الخليجية، إذ توجد ثلاثة منها ضمن المراكز الستة الأولى قارياً في تصنيف موسم 2025-2026؛ ويتصدر الدوري السعودي آسيا، متقدماً على اليابان وكوريا الجنوبية، فيما يحتل الدوري الإماراتي المركز الرابع، والدوري القطري المركز السادس.
وفي المقابل، تتسع الفجوة مع بقية دوريات المنتخبات المشاركة في «خليجي 27»، إذ يأتي الدوري العراقي في المركز الثالث عشر آسيوياً، والبحريني في المركز السادس عشر، والعُماني في المركز السابع عشر، والكويتي في المركز الثامن عشر، بينما يأتي اليمن في المركز الثالث والأربعين من التصنيف الآسيوي.
فوارق كبيرة
رفض الدكتور جاسم الشكيلي، نائب رئيس اتحاد كأس الخليج لكرة القدم سابقاً ومستشاره الحالي، وضع كرة القدم الخليجية في قالب احترافي واحد، معتبراً أن الفوارق بين دول المنطقة لا تزال كبيرة، سواء على مستوى المسابقات والأندية والإدارات أو في طريقة التعامل مع اللاعب، رغم الطفرة المالية والتنظيمية التي شهدتها اللعبة خلال السنوات الأخيرة.
ويرى الشكيلي، الذي سبق أن شغل منصب النائب الثاني لرئيس مجلس إدارة الاتحاد العُماني لكرة القدم والمشرف على المنتخبات الوطنية، كما تولى مناصب عدة في الاتحاد العربي لكرة القدم، أن الحكم على «عقلية اللاعب الخليجي» بمعزل عن البيئة التي يعمل فيها سيكون حكماً غير دقيق.
وقال ضمن حديثه عن واقع الكرة الخليجية: «العقلية الاحترافية من أين تأتي؟ تأتي عندما يكون لديك مستوى احترافي في التعامل مع اللاعبين على مستوى الأندية، ودوري احترافي، ومسابقة وإدارات تعمل بعقلية احترافية. فهل كل دول الخليج تملك هذه الميزة؟ أقول لا».
وأضاف أن «هناك ربما ثلاثة دوريات في المنطقة تتعامل مع كرة القدم بشكل احترافي من خلال الأندية والمسابقة والإدارات، فيما لا يزال البقية في مستويات مختلفة، وبعض اللاعبين أقرب إلى بيئة الهواة».
شدد الشكيلي على أن وجود اللاعب في بيئة غير مكتملة الاحتراف لا يعني بالضرورة افتقاده للعقلية الاحترافية، موضحاً: «قد تجد لاعباً خليجياً يلعب في بيئة هواة، لكن تعامله مع كرة القدم احترافي. لذلك لا نستطيع القياس بصورة مطلقة وإسقاط حكم واحد على جميع اللاعبين الخليجيين».
واعتبر أن تقييم درجة الاحتراف يجب أن يتم وفق ظروف كل دولة، انطلاقاً من مستوى الدوري والأندية والاتحاد وطبيعة المسابقة والحضور الجماهيري، مضيفاً: «هناك تباين واضح وفوارق كبيرة، ولذلك من الصعب جداً أن نتبنى فكرة أو قناعة واحدة ونسقطها على الجميع».
المال ليس مقياساً وحيداً
ولا يعتقد الشكيلي أن حجم الإنفاق الكبير في كرة القدم الخليجية يمكن ربطه مباشرة بالمستوى الفني الذي تظهر به المنتخبات، مشيراً إلى أن لكل دولة أهدافاً واستراتيجيات تتجاوز أحياناً النتائج الآنية.
وقال: «الصرف ليس بالضرورة لتشكيل منتخب من أجل بطولة بعينها. بعض الدول تتبنى مشاريع لها أهداف أبعد من كأس الخليج، وتعمل على بناء منتخب يستطيع المنافسة إقليمياً وقارياً ودولياً».
وأضاف أن كأس الخليج نفسها لا تصلح دائماً مقياساً للحكم على المستوى العام للمنتخبات أو نجاح مشاريعها، مستشهداً بالتغييرات الكبيرة التي تشهدها قوائم عدد من المنتخبات المشاركة، وقال إن السعودية تمر بمرحلة تجديد، فيما يضم المنتخب العُماني جيلاً جديداً تصل نسبة العناصر الجديدة فيه، وفق تقديره، إلى نحو 70 في المئة، كما تعتمد الكويت على مجموعة شابة، معظمها دون 26 عاماً.
وأوضح: «بعض المنتخبات تعتبر المشاركة في كأس الخليج بداية لمرحلة جديدة، وتريد البناء على هذه المشاركة للمستقبل. لذلك لكل دولة توجهها وقناعاتها في ما يتعلق بكرة القدم».
الإمارات الأكثر تكاملاً
وعن الصورة الفنية للبطولة الحالية، رأى الشكيلي أن المستوى العام للمباريات لم يصل، حتى الآن، إلى درجة التميز التي كان ينتظرها، لكنه استثنى المنتخب الإماراتي الذي اعتبره الأكثر استقراراً وتكاملاً.
وقال: «منتخب الإمارات هو الأكثر استقراراً فنياً. المستوى الذي ظهر به في المباراتين يؤكد أنه منتخب بمواصفات عالية، ويملك لاعبين متميزين وخيارات كبيرة أمام المدرب، إضافة إلى جهاز فني على مستوى عالٍ».
وأضاف: «من وجهة نظري، المنتخب الأكثر تكاملاً تقريباً في هذه البطولة هو منتخب الإمارات».
وربط الشكيلي هذا التطور بمشروع أوسع تعمل عليه كرة القدم الإماراتية، قائلاً إن المؤشرات الأولى تعكس توجهاً نحو «تشكيل منتخب قوي ينافس إقليمياً وقارياً وحتى دولياً»، معتبراً أن جانباً من نتائج هذا المشروع بدأ يظهر في كأس الخليج، رغم وجود عدد من عناصر المنتخب منذ فترات سابقة.
قطر سبقت
وأشار الشكيلي إلى أن تجارب الاحتراف والتطوير في الخليج سارت بسرعات مختلفة، مستحضراً التجربة القطرية التي قال إنها سبقت المنطقة في «تبني مشروع واضح للرياضة بشكل عام وليس كرة القدم فقط»، قبل أن تبلغ ذروتها باستضافة كأس العالم 2022.
وقال إن تنظيم قطر للمونديال كان في وقت سابق «أمراً لم يكن كثيرون يتخيلون أن هذا الجزء من العالم قادر على تحقيقه»، قبل أن تنتقل المنطقة إلى مرحلة جديدة مع المشروع السعودي.
ووصف المشروع السعودي بأنه «طموح وكبير»، مشيراً إلى أن استقطاب أسماء عالمية يتقدمها البرتغالي كريستيانو رونالدو أحدث نقلة كبيرة في المسابقة المحلية، وقال: «الدوري السعودي من أفضل الدوريات، وأنا أضعه بين أفضل ستة دوريات في العالم من حيث النجوم الموجودين فيه».
كما أشار إلى التحولات التي شهدتها الأندية الإماراتية، ولا سيما الانتقال إلى نموذج الشركات وتطوير آليات العمل والتخطيط، معتبراً أن هذه الخطوات تمنح المشروع الإماراتي «صبغة واضحة» للمستقبل.
وختم الشكيلي بالتأكيد على ضرورة قراءة التجربة الخليجية وفق خصوصية كل دولة، معرباً عن أمله أن تشهد الكويت وعُمان والعراق واليمن والبحرين بدورها مشاريع تطويرية أكبر خلال المرحلة المقبلة، وقال: «لكل دولة خصوصيتها في التعامل مع اللعبة، سواء تبنت كرة القدم كمشروع يخدم أهدافاً معينة، أو تعاملت معها على مستوى الممارسة والهواية».
من جهته، يرى ناجي جلال، لاعب النصر السابق، أن كرة القدم الخليجية تعيش حالة من التفاوت الفني الواضح، سواء على مستوى المنتخبات أو الدوريات المحلية، معتبراً أن الفجوة اتسعت بين مسابقات قطعت خطوات كبيرة على طريق الاحتراف وأخرى لا تزال بعيدة عن المستويات نفسها.
وقال جلال، إن بطولات الخليج حافظت على قيمتها بوصفها تجمعاً خليجياً له خصوصيته ومكانته، لكنه أشار إلى أن المستوى الفني في النسخة الحالية أقل مما عرفته البطولة في فترات سابقة.
وأضاف: «فنياً أعتقد أن المستوى أقل»، مستشهداً ببعض المنتخبات التي لم تعد تظهر بالصورة التي عُرفت بها سابقاً، ومشيراً بشكل خاص إلى قطر التي سبق لها التتويج بكأس آسيا، لكنه يرى أنها لا تقدم حالياً المستوى نفسه.
ويعتقد جلال أن التفاوت بين المنتخبات ليس منفصلاً عن الفجوة المتزايدة بين الدوريات المحلية، موضحاً أن الدوري السعودي، إلى جانب الدوريين الإماراتي والقطري، بات في موقع مختلف مقارنة بعدد من المسابقات الخليجية الأخرى.
وقال: «الدوري السعودي والإماراتي والقطري مختلفة عن بقية الدوريات، والفارق أصبح واضحاً»، مشيراً إلى أن الإمكانات المالية والقيمة السوقية تشكلان أحد أوجه هذا التباين، خصوصاً في ظل القفزة الكبيرة التي حققها الدوري السعودي خلال السنوات الأخيرة.
وأكد أن المقارنة بين المسابقات الخليجية لم تعد ممكنة وفق معيار واحد في ظل الاختلاف الكبير في الإمكانات والاستثمارات ونوعية اللاعبين، لافتاً إلى أن القيمة السوقية للدوري السعودي تخطت مليار يورو، وهو رقم يعكس حجم الهوة مقارنة ببعض الدوريات الأخرى.
وبعد نحو عقدين من تطبيق الاحتراف في المنطقة، يرى جلال أن التجربة الخليجية لم تسر بالسرعة نفسها في جميع الدول، ما أفرز مستويات مختلفة من التطبيق، وانعكس بصورة مباشرة على قوة الدوريات وقدرتها على إنتاج منتخبات أكثر تنافسية.
وأكد جلال أن الكرة الخليجية لا تزال تواجه العديد من التحديات على صعيد تكوين اللاعبين واكتشاف المواهب وصقلها، مشيراً إلى أنه من بين التحديات كذلك محدودية انتقال اللاعب الخليجي إلى الدوريات الأوروبية الكبرى مقارنة بحجم الاستثمارات والإمكانات المتاحة للكرة في المنطقة، موضحاً أنه باستثناء تجارب بارزة مثل الحارس العُماني علي الحبسي في إنجلترا، ظل حضور اللاعبين الخليجيين في الدوريات الأوروبية محدوداً تاريخياً مقارنة بلاعبي دول عربية أخرى.
تأثير محدود
أوضح الإعلامي البحريني أحمد البهدهي، العضو السابق في مجلس إدارة الاتحاد البحريني لكرة القدم، أن الفوارق الواضحة بين مستويات الدوريات الخليجية لم تنعكس حتى الآن بالصورة نفسها على المنتخبات المشاركة في كأس الخليج «خليجي 27»، مشيراً إلى أن تأثير الطفرة التي تعيشها بعض المسابقات المحلية لا يزال محدوداً على أداء المنتخبات.
وقال البهدهي إن «هناك فروقاً على مستوى الدوريات الخليجية، لكن تأثيرها على كأس الخليج لم يتضح حتى الآن»، لافتاً إلى تفاوت المستويات بين الدوري السعودي ودوريات الإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان واليمن.
وأضاف أن الدوري السعودي يمثل النموذج الأبرز في المنطقة في المرحلة الحالية بفضل حجم ونوعية اللاعبين المحترفين الموجودين فيه، لكنه شدد على أن ذلك لم ينعكس حتى الآن بشكل كامل على المنتخب السعودي.
وأوضح: «إذا قلنا إن تأثير قوة الدوري السعودي واضح على المنتخب السعودي فلن نكون دقيقين. في المرحلة الحالية التأثير بسيط جداً، لكن من الممكن أن يصبح أكبر خلال السنوات المقبلة».
وأشار البهدهي إلى أن كثافة حضور اللاعبين الأجانب في الأندية السعودية قد تقلص في بعض الحالات فرص مشاركة اللاعب المحلي، وهو ما يجعل العلاقة بين ارتفاع مستوى المسابقة المحلية وتطور المنتخب أكثر تعقيداً.
وعن المستويات الفنية في «خليجي 27»، قال إن الفوارق بين المنتخبات لا تزال محدودة، مضيفاً: «المستويات متقاربة إلى حد ما، ولا توجد فروق فنية كبيرة».
وأعرب البهدهي عن أمله أن ترتقي البطولة إلى مستوى التوقعات خلال المراحل المقبلة، بعدما رأى أن النسخة الحالية «لم تظهر حتى الآن بالصورة التي كنا نتوقعها».



