يدخل المنتخب السعودي كأس الخليج لكرة القدم «خليجي 27» مدعوماً بالأرض والجمهور، لكن تاريخ البطولة يضع أمامه حقيقة رقمية واضحة: اللعب على أرضك لا يضمن الفوز باللقب، إذ إنه منذ انطلاق البطولة في البحرين عام 1970 وحتى النسخة السادسة والعشرين التي أقيمت في الكويت، نجح المنتخب المضيف في إحراز اللقب 9 مرات فقط، أي بنسبة تبلغ نحو 34.6%، فيما غادرت الكأس بلد الاستضافة في 17 مناسبة، بنسبة 65.4%.
ويكتسب الرقم أهمية إضافية قبل انطلاق «خليجي 27» في جدة من 23 سبتمبر الجاري إلى 6 أكتوبر المقبل، حيث تستضيف السعودية البطولة للمرة الخامسة في تاريخها، لكن للمرة الأولى في مدينة جدة.
وتقام المنافسات على ملعبي مدينة الملك عبدالله الرياضية والأمير عبدالله الفيصل، وتلعب السعودية ضمن المجموعة الأولى إلى جانب العراق وعُمان والكويت، فيما تضم الثانية الإمارات وقطر والبحرين واليمن.
9 لأصحاب الضيافة
بدأت العلاقة الصعبة بين أصحاب الضيافة والكأس منذ النسخة الأولى نفسها، ففي البحرين عام 1970، لم يستطع المنتخب البحريني استثمار عاملي الأرض والجمهور، وذهب اللقب إلى الكويت، التي بدأت من المنامة حقبة هيمنة مبكرة على البطولة.
وتكرر المشهد بعد عامين في السعودية، إذ لم ينجح صاحب الأرض في إيقاف الكويت التي احتفظت بالكأس، قبل أن تشهد النسخة الثالثة عام 1974 أول تتويج لمنتخب مضيف عندما استضافت الكويت البطولة واحتفظت باللقب.
ومنذ ذلك التاريخ، احتاجت البطولة إلى خمس سنوات حتى يتكرر المشهد، عندما استضاف العراق نسخة 1979 ونجح في انتزاع اللقب، منهياً في الوقت نفسه احتكاراً كويتياً لأول أربع نسخ.
الكرة تعاند أصحاب الأرض
استضافت الإمارات نسخة 1982، لكن اللقب ذهب إلى الكويت، وعندما انتقلت البطولة إلى عُمان عام 1984 توج العراق، ثم فازت الكويت بنسخة البحرين 1986، والعراق بنسخة السعودية 1988 أي أن أربع بطولات متتالية بين 1982 و1988 انتهت من دون تتويج أصحاب الأرض.
الكويت تعيد الاعتبار للمضيف
عادت الأرض لتقول كلمتها في نسخة 1990، عندما توجت الكويت على ملعبها، لتصبح ثالث حالة في تاريخ المسابقة ينجح فيها المستضيف في الاحتفاظ بالكأس.
وبعدها بعامين صنعت قطر واحدة من أبرز محطات تاريخها الكروي عندما استضافت نسخة 1992 وأحرزت لقبها الخليجي الأول، منهية احتكار الكويت والعراق للبطولة منذ انطلاقها.
فازت السعودية باللقب في الإمارات عام 1994، ثم الكويت في عُمان عام 1996، وكررت الكويت الإنجاز في البحرين عام 1998، لتثبت البطولة مجدداً أن الجمهور والملعب المألوفان لا يكفيان وحدهما لصناعة البطل.
السعودية.. لقب واحد على أرضها
وتحمل النسخة الحالية خصوصية بالنسبة للسعودية، التي تستضيف كأس الخليج للمرة الخامسة بعد 1972 و1988 و2002 و2014.
ورغم تاريخ المنتخب السعودي في البطولة، فإنه نجح مرة واحدة فقط في تحويل الاستضافة إلى لقب، وكان ذلك في نسخة 2002 في الرياض.
في المقابل، ذهبت كأس 1972 إلى الكويت، ونسخة 1988 إلى العراق، فيما توجت قطر في الرياض عام 2014.
وهكذا، يدخل المنتخب السعودي «خليجي 27» بسجل استضافة يشير إلى لقب واحد في أربع محاولات سابقة، بينما يأمل في جدة رفع الحصيلة إلى لقبين من خمس نسخ أقيمت على أرضه.
الفترة الذهبية
وإذا كان التاريخ الإجمالي لا يمنح المستضيف أفضلية حاسمة، فإن البطولة عرفت فترة مختلفة تماماً مطلع الألفية.
بين نسختي 2002 و2009، أصبح اللعب على الأرض عاملاً شديد التأثير.
بدأت السعودية السلسلة عندما توجت في الرياض عام 2002، قبل أن تكسرها في النسخة التالية مباشرة عندما أحرزت لقب 2003 في الكويت، لكن أصحاب الأرض عادوا بعدها بقوة، فازت قطر بلقب نسخة 2004 على أرضها، ثم فعلت الإمارات الشيء نفسه في أبوظبي عام 2007، قبل أن تتوج عُمان للمرة الأولى في تاريخها عندما استضافت نسخة 2009.
وهكذا شهدت خمس نسخ متتالية بين 2002 و2009 أربعة ألقاب لأصحاب الأرض، وهي الفترة الأكثر وضوحاً في تأثير الاستضافة على هوية البطل.
وبالنسبة للإمارات وعُمان، كانت الأرض شاهدة على لحظتين تاريخيتين، لأن كلاً منهما أحرز أول ألقابه الخليجية أمام جماهيره؛ الإمارات في 2007 وعُمان في 2009 لكن تلك المرحلة تبدو استثناءً أكثر منها قاعدة، لأن الاتجاه انقلب بصورة لافتة منذ نسخة 2010.
ففي اليمن، توجت الكويت باللقب، ثم ذهبت كأس نسخة البحرين 2013 إلى الإمارات، وفازت قطر في السعودية عام 2014، وعُمان في الكويت في نسخة 2017، والبحرين في قطر عام 2019.
احتاج أصحاب الأرض إلى انتظار العراق في 2023 حتى تتوقف السلسلة، فأمام جماهير البصرة، نجح «أسود الرافدين» في إحراز اللقب بفوزه على عُمان 3-2 بعد التمديد في مباراة نهائية مثيرة، ليعيد الكأس إلى صاحب الضيافة للمرة الأولى منذ تتويج عُمان في مسقط عام 2009 لكن الظاهرة لم تستمر، إذ استضافت الكويت النسخة السادسة والعشرين، بينما عاد اللقب إلى البحرين.
والنتيجة أن النسخ السبع الأخيرة، من 2010 وحتى خليجي 26، شهدت تتويج صاحب الأرض مرة واحدة فقط، مقابل ستة ألقاب للمنتخبات الزائرة وهي نسبة تعكس تراجعاً كبيراً في تأثير عامل الاستضافة مقارنة بالفترة التي سبقتها.
العراق الأكثر استفادة
ومن بين المنتخبات التي توجت باللقب على أرضها، يبرز العراق وقطر والكويت باعتبار كل منها نجح مرتين في تحويل الاستضافة إلى تتويج، فعلتها الكويت عامي 1974 و1990، وقطر عامي 1992 و2004، والعراق عامي 1979 و2023 أما السعودية فحققت ذلك مرة واحدة في 2002، وكذلك الإمارات في 2007 وعُمان في 2009.
وفي المقابل، لم يسبق للبحرين أن توجت بكأس الخليج على أرضها رغم استضافتها البطولة في أكثر من مناسبة، بينما حققت لقبيها خارج ملعبها، الأول في قطر عام 2019 والثاني في الكويت في النسخة السادسة والعشرين.
وتختصر لغة الأرقام علاقة الأرض بالكأس من أصل 26 نسخة مكتملة منذ 1970، انتهت 9 فقط بتتويج المنتخب المضيف، مقابل 17 نسخة فاز بها منتخب زائر أي أن احتمال احتفاظ صاحب الأرض باللقب، وفق السجل التاريخي للبطولة، لم يتجاوز 34.6%، مقابل 65.4% للمنتخبات الأخرى.
وجاءت ألقاب أصحاب الضيافة التسعة على النحو التالي:
الكويت 1974، العراق 1979، الكويت 1990، قطر 1992، السعودية 2002، قطر 2004، الإمارات 2007، عُمان 2009، والعراق 2023.
واللافت أن أربعة من هذه الألقاب التسعة تحققت خلال فترة قصيرة نسبياً بين 2002 و2009، بينما لم يسجل المضيف منذ 2010 سوى نجاح واحد.
جدة أمام الاختبار الخامس
وتضع هذه الأرقام السعودية أمام تحد مختلف في «خليجي 27». فالمملكة لا تستضيف بطولة جديدة فحسب، بل تحاول كسر اتجاه تاريخي حديث أصبح يميل بصورة واضحة إلى المنتخبات القادمة من خارج بلد التنظيم.
وستكون جدة أول مدينة سعودية خارج الرياض تحتضن كأس الخليج، بعدما أقيمت الاستضافات السعودية الأربع السابقة في العاصمة.
وتأتي المباراة الافتتاحية أمام الكويت في 23 سبتمبر، بالتزامن مع اليوم الوطني السعودي، وهو ما يمنح البداية زخماً جماهيرياً إضافياً.
لكن تاريخ كأس الخليج يثبت أن المدرجات الممتلئة ومعرفة الملاعب واللعب وسط الأجواء المحلية يمكن أن تمنح أفضلية، لكنها لا تقدم ضمانة.
فالكويت نفسها، الأكثر تتويجاً في تاريخ المسابقة بعشرة ألقاب، فازت بمعظم كؤوسها خارج أرضها، فيما عرفت البطولة حالات عديدة وصل فيها المضيف بطموحات كبيرة قبل أن يشاهد منتخباً آخر يرفع الكأس أمام جماهيره.
وبين أول نسخة في البحرين عام 1970 والنسخة السابعة والعشرين في جدة، تبدلت أنظمة البطولة وأجيال اللاعبين والمدربين، لكن قاعدة واحدة ظلت حاضرة في سجلها: الأرض تساعد، لكنها نادراً ما تحسم.
والسعودية التي نجحت مرة واحدة فقط خلال استضافاتها الأربع السابقة في إبقاء الكأس على أرضها، تبدأ المحاولة الخامسة أمام سؤال عمره أكثر من نصف قرن: هل تكون جدة المحطة العاشرة التي ينحاز فيها تاريخ كأس الخليج إلى صاحب الدار؟
