لفت تميز المنتخب الأسترالي بقوة اللياقة البدنية انتباه الفنيين والمتابعين لبطولة كأس آسيا، التي تختتم اليوم بالمباراة النهاية بين الكانغارو والنمور الكورية. وسحق منتخب أستراليا منافسيه في البطولة مستعيناً بعامل القوة الجسمانية للاعبيه. وقد أثار التفوق البدني للاعبي أستراليا التساؤل حول سر هذه القوة. هل هي قوة ربانية أم نتيجة تكوين بدني معين؟ وهل يلعب النظام الغذائي دوراً فيها.

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها التقى «البيان الرياضي»، كريك دانكون أخصائي فيزيولوجيا الجهد البدني في المنتخب الأسترالي (سبق له العمل في نادي النصر)، ليكشف سر القوة البدنية للكانغارو في الحديث التالي:

في البداية لو توضح لنا وظيفتك مع المنتخب الأسترالي، وما معني أخصائي الجهد البدني؟

أولاً أنا أستاذ جامعي متخصص في فيزيولوجيا الجهد البدني، أعمل منذ سنوات مع الجهاز الطبي للمنتخب الأسترالي. مهمتي تتمثل أساسياً في تقييم برامج التدريب والحالة البدنية للاعبين.

أنا لست مدرباً ولا معداً بدنياً وإنما أقيم عمل المعد البدني وأقدم تقارير مفصلة عن جهود كل لاعب وقدراته البدنية، حتى يقدم له مدربه التدريب الذي يحتاجه والنظام الغذائي المناسب له. وهذه الوظيفة غير معترف بها في المنتخبات العربية والخليجية ولا توجد إلا في بعض كبار أوروبا.

لو تكشف لنا سر القوة البدنية للاعب الأسترالي، خصوصاً أن الكانغارو وصل إلى النهائي بفضل تفوقه على بقية المنتخبات باللياقة؟

هناك عوامل عديدة تسهم في البنية الجسمانية القوية للاعبي كرة القدم وغيرها من الرياضات في أستراليا. أولاً لا بد من التكوين البدني السليم للاعبين في أصناف الناشئين. فاللاعب إذا لم يتلق تكويناً على أسس علمية في الصغر، لا يمكن أن يتدارك ذلك النقص في صفوف الفريق الأول. ولا يمكن لمدرب المنتخب والجهاز الفني والطبي أن يعوض له ما فاته.

ومن خلال تجربتي في نادي النصر الإماراتي والدوري الكويتي، فإن الأندية العربية وخصوصاً الخليجية تهمل إهمالاً تاماً التكوين البدني للاعبين في أصناف الناشئين، وتركز فقط على الجانب الفني. وهذا تقصير كبير وتكوين أعرج للاعب، لأن الفنيات لا تكفي لصناعة لاعب متكامل وناجح.

والتركيز على الفنيات في تكوين اللاعبين العرب يثمر مواهب ولاعبين بفنيات عالية لكن تخونهم اللياقة. وفي بطولة كأس آسيا الحالية رأينا أكثر من لاعب عربي متألق بفنياته ولكن افتقد إلى القوة البدنية.

وماذا غير التكوين البدني للاعبين في أصناف الناشئين؟

يتمثل العامل الثاني في النظام الغذائي المعتمد في أستراليا، حيث يتسم بالصرامة ويخضع لمعايير علمية دقيقة جداً.

فلاعبو الكنغارو مثلاً لا يتناولون الوجبة نفسها، بل كل لاعب نحدد له نوعية الطبق الذي يحتاجه، حسب عدد السعرات الحرارية ونسبة الفيتامينات التي تنقص جسمه. وما لا يعلمه الكثيرون أن أكاديميات كر ة القدم في أستراليا تعتمد نظاماً غير معمول به في العالم، حيث تتكفل بتقديم الوجبات الغذائية للاعبين الناشئين وتلزمهم بعدم الأكل في البيت.

وحتى أيام الراحة وعدم التدريب هناك خدمة إيصال الوجبات إلى اللاعبين في بيوتهم. هناك توعية كبيرة للناشئين بضرورة الالتزام في النظام الغذائي حتى يحققوا أحلامهم ويصبحوا لاعبين كبار. وفي الحقيقة نجد تجاوباً كبيراً أثمر منتخباً قوياً وعملاقاً يشهد العالم أجمع بلياقته البدنية القوية.

وما هي الأسرار الأخرى للقوة البدنية للكنغارو؟

تولي أندية كرة القدم في أستراليا كما المنتخب أهمية بالغة لما يسمى المكملات الغذائية والمتمثلة في الفيتامينات والبروتينات التي تقدم للاعب في شكل بودرة أو أقراص أو حقن. والمكملات الغذائية ضرورية للاعب كرة القدم، لأنه في النهاية لا يوجد لاعب في العالم يلتزم بنظام غذائي دقيق وسليم وصحي 100%.

والكرة الخليجية والعربية لا تولي المكملات الغذائية حقها، وبالتالي نرى أن منتخبات الكويت والأردن والبحرين مثلاً تضم لاعبين مهرة ويتمتعون بفنيات عالية، لكن لياقتهم ضعيفة والسبب أن النظام الغذائي الذي تعودوا عليه ليس سليماً ويكتفون بالوجبات فقط. لاعب كرة القدم لا يمكن له النجاح أبداً إذا تجاهل المكملات الغذائية. هذه نتيجة دراسة علمية ثابتة.

وماذا أيضاً عن سر تفوق منتخب أستراليا بدنياً على بقية منتخبات البطولة؟

العامل الأخير يتمثل في الالتزام خارج الملعب. فاللاعب الأسترالي محترف ويعيش يومه وفق برنامج محدد لا يسهر إلى ساعة متأخرة من الليل أبداً. والسهر كارثة كبرى بالنسبة للاعب لأنه يتسبب في شعور اللاعب بالجوع فيضطر إلى الأكل. وإذا تناول وجبة ليلية ينهار نظامه الغذائي كلياً وتتبعثر الأوراق ويصبح عدد وجباته 6 بدلاً من 5.

ولكن الوجبات المتعارف عليها 3 وليس 5؟

بالنسبة للرياضي ولاعب كرة القدم تحديداً فإنه مطالب بتناول 5 وجبات يومياً، فإلى جانب فطور الصباح والغداء والعشاء، عليه تناول وجبات خفيفة ما بين فطور الصباح والغداء، ووجبة أخرى سريعة في المساء ما بين الغداء والعشاء. ولكن الكرة العربية لا تهتم بهذه الجوانب، واللاعب يسهر وأحياناً يدخل وغير ملتزم بأي نظام غذائي، وقد عاينت حالات غريبة خلال بطولة كأس آسيا الحالية.

لو تقيم لنا مستوى اللياقة البدنية للأبيض الإماراتي مثلاً في مباراته أمام منتخبكم الأسترالي؟ وهل أن العامل البدني كان السبب الرئيسي في الهزيمة بنتيجة 2-0؟

المنتخب الإماراتي قدم مباراة جيدة أمام أستراليا من الناحية الفنية (التكنيكية)، وانبهرنا بمهارات خارقة لأكثر من لاعب خصوصاً عمر عبد الرحمن لكن الكنغارو حسم القمة بالتفوق البدني.

كيف ذلك؟

أعتقد أن التكوين البدني للاعب الإماراتي في الأندية ضعيف. كما أن عملية الاستشفاء من الإعداد لمواجهة الكنغارو بعد الإرهاق الكبير الذي أصاب اللاعبين على إثر الفوز على اليابان لم يكن جيداً.

بل إن وظيفة إخصائي فيزيولوجيا الجهد البدني لا تتوفر في المنتخبات العربية لذلك عجز الأبيض على مجاراة نسق الكانغارو. وفي الحقيقة فإن ما صنعه الجهاز الطبي في المنتخب الأسترالي خلال أعوام لا يمكن للجهاز الإماراتي أن يلحق به في أيام أو ساعات.

يمكن للمدرب أن يصلح خطأ فنياً باستبدال لاعب أو تغيير طريقة اللعب، لكن لا يمكنه أبداً تغيير قدرات اللاعبين بدنياً فهو يتعامل مع الموجود. ولفت انتباهي الإرهاق الكبير الذي كان عليه اللاعب رقم 3 (وليد عباس)، حيث كان ثقيل الحركة غير قادر على التواجد في المكان المناسب في اللحظة المناسبة خلال الهجمات الأسترالية.

وما هي طرق الاستشفاء التي تعتمدونها في عملكم مع المنتخب الأسترالي؟

الاستشفاء يستوجب مجالاً واسعاً للحديث عنه بالتفصيل، لكن دعني أكشف لك سراً إننا نعتمد أساليب يابانية مثل الثلج. واليابانيون هم أول من اعتمد الثلج وقاموا بتجارب ناجحة في رياضات رفع الأثقال ثم نقلوها إلى كرة القدم. فالاستشفاء بالثلج يضيق الشرايين ويقلل من حركة الدم وهذا يتم العمل به حتى ما بين شوطي المباراة لكن يستوجب إعادة الإحماء.

وبماذا تنصح المنتخبات العربية؟

لا يمكن بناء اللاعب بدنياً في المنتخبات. ففي هذا المستوى يكون اللاعب قد اكتمل جسمانياً ولا يمكن إصلاح أخطاء الماضي. على الكرة العربية أن تهتم بتكوين اللاعبين بدنياً في الأندية منذ المراحل السنية. كما أدعو المسؤولين على الكرة العربية إلى وضع استراتيجية جديدة لتحسين وضع أنديتهم ومنتخباتهم.

والخطة يجب أن تتركز على الاستثمار في البنية التحتية وكل ما يكفل للاعب من عوامل النجاح. وهنا دعني أوضح أن البنية التحتية ليست ملاعب وقاعات تدريب، المقصود اساليب عصرية للتدريب ومتخصصون في التكوين الفني والبدني والغذائي.

ففي الخليج تستثمر الأندية في اللاعب فقط وتهمل توفير بيئة وظروف كفيلة بنجاحه.

تقييم الجهد

يقترح كريك دانكون أن تقتطع الأندية الخليجية من راتب كل لاعب 0.5% من راتبه الشهري، وتخصصه لتوفير أخصائيين في علم النفس وتقييم الجهد البدني. ففي المنتخب الأسترالي هناك جيش من الأخصائيين كل في مجاله وعددنا يفوق العشرين. نعم الطواقم أكثر عدداً من اللاعبين.

ولكن الوضع في كرة الخليج مختلف. أذكر جيداً من خلال تجربتي في المنطقة أن نادياً سعودياً تعاقد ذات مرة مع معد بدني برازيلي مقابل 100 دولار لكنه هرب بعد 3 أيام فقط لأنه اكتشف أن عقلية اللاعبين والظروف لا تسمح له بالقيام بدوره ولا يقدرون قيمة وظيفته.

تراجع الأداء

أوضح دانكون أن الأندية تتعاقد مع نجوم لامعة تدفع لها رواتب بالملايين، ولا توفر لها الأجهزة الطبية والمتخصصين في الإعداد البدني والغذائي والنفسي. وبالتالي سرعان ما يتراجع أداء اللاعب لأنه بكل بساطة خسر لياقاته ولم يجد العناية التي كان يحظى بها في الفرق الأوروبية. الاستثمار في التعاقد مع النجوم دون توفير البيئة الحاضنة له مشروع خاسر يجعل الأندية تهدر المال هباء.

رأي

مارادونا تفوق على غيره بالفيتامينات والبروتينات

يرى كريك دانكون أخصائي فيزيولوجيا الجهد البدني في المنتخب الأسترالي، أن المكملات الغذائية من فيتامينات وبروتينات سر نجاح دييغو مارادونا وتفوقه على بقية نجوم عصره.

ويقول كريك: مارادونا كان قصير القامة، لكنه استعان بالمكملات الغذائية طوال مسيرته، واستطاع أن يتغلب على لاعبي منتخبات الكاميرون في نهائيات كأس العالم. وكشف كريك دانكون أنه بصدد إعداد دراسة يقارن فيها بين أسباب تفوق اللاعب شرق الآسيوي على نظيره في منطقة الخليج.

 ويشترك دانكون القائم بالدراسة مع أستاذ جامعي سعودي يدعى يحي العيافي. ويتعاون الثنائي الأسترالي السعودي على الدراسة بعدما اتسع الفارق البدني بين لاعبي اليابان وكوريا ولاعبي الخليج وقد تبين ذلك خلال البطولات الأخيرة وتصفيات المونديال.