حقاً من رأى ليس كمن سمع، مقولة تنطبق على جملة من المفارقات والغرائب في ولاية كوينزلاند الأسترالية وعاصمتها «بريسبان» التي تمثل إحدى أهم الواجهات السياحية للبلد القارة مع الجارة «غولد كوست»، الغرائب والعجائب تمتد على طول الطريق من «السيتي» حتى انتهاء «اليابسة» عند المحيط الهادئ أو «الباسيفيك» كما هي تسميته عند الأستراليين، أكثر من 36 كيلومتراً بقليل تتجلى فيها روعة الطبيعة وسحر المكان ليكون اللقاء عند «لاغون»، وهو اسم المكان الذي يلتقي فيه الصغار والكبار للاستمتاع بروعة المشهد وتنوع النشاط فيه، فالسياحة لها روادها كما للرياضة أيضاً نصيبها الوافر.
تبدأ الرحلة الممتعة عادة من بريسبان إلى «الباسيفيك» بالسيارات الخاصة أو بالحافلات بالنسبة للمجموعات السياحية في «الويك إند» يومي السبت والأحد، ويتركز الاهتمام بشكل واضح يوم الأحد الذي تكون الغلبة فيه للعائلات، حيث تترك المدينة بصخبها لتعيش يوماً مختلفاً خلال الأسبوع، ليعود الجميع أكثر حيوية لبداية أسبوع جديد.
الدهشة في رحلة الـ36 كيلومتراً إلى «الباسفيك»، تبدأ مع دخول السيارات للخط السريع، فالطريق تحاصره أشجار الغابات بطولها المميز من الجانبين «يميناً ويساراً» فمنظر الخضرة لا يترك شبراً واحداً بين الأشجار والأسفلت، إلى هنا الأمر أكثر من عادي.
ولكن لك أن تتخيل مشهد الثعابين التي تشتهر بها الغابات في أستراليا، تخرج من وسط الأشجار بين الحين والآخر لتزحف في الأسفلت للانتقال للجهة المقابلة، ويضطر أصحاب السيارات للتوقف مع ظهور كل ثعبان يزحف منتقلاً للناحية الأخرى، لأن القانون في أستراليا لا يرحم من يؤذي الحيوانات عموماً، والثعابين على وجه الخصوص، ومن يخالف ذلك حتى ولو من باب السهو وعدم التعمد سيضطر للدفاع عن نفسه في المحكمة.

المانغو تنافس الثعابين
نعم هذا ما يحدث في معظم الطرق السريعة التي تحفها أشجار الغابات من كل جانب، والطريق إلى «الباسيفيك» من بريسبان تكثر فيه حركة انتقال الثعابين بشكل أصبح عادياً لسكان ولاية كوينزلاند، ويسمى «سوتون ستريت» ويبدأ من منطقة البحيرات الشمالية وينتهي في ضاحية «ريدكليف» التي يوجد فيها كورنيش جمع بين الحداثة والكلاسيك في مرافقه الخدمية.
وفي الطريق السريع، تتشارك ثمرة «المانغو» مع الزواحف والثعابين، فأشجار «المانغو» تتمدد على جانبي الطريق وثمارها الناضجة تتدلى أحياناً، وتتساقط أحايين أخرى دون أن تجد من يقطفها، فشجرة «المانغو» في أستراليا تنافس أشجار الغابات وتقتسم معها ملايين «الهيكتارات».
الوصول إلى المحيط
بعد هذه الرحلة بكل تنوعها، تبدأ رحلة السياحة والرياضة معاً في كورنيش «ريدكليف»، فالشباب يمارسون هواياتهم في عدد من الرياضات في ملاعب كلاسيكية يتحول فيها المكان إلى «قرية أولمبية مصغرة» تجتمع فيه ألعاب كرة السلة والكرة الأميركية والسباحة، فيما تتوافد العائلات إلى منطقة «لاغون» في الكورنيش نفسه، وفئة أخرى من الزائرين والسياح وسكان المدينة، يختارون هواية صيد السمك من على الجسر الممتد داخل مياه «الباسيفيك» وهو جسر «ميموريال».
ويوجد بالقرب من الجسر، «لنش بحري» مجهز بمواصفات حديثة يلبي رغبات من يريد استكشاف أنواع الأسماك في المحيط الهادئ، حيث يقوم برحلات تمتد أكثر من ساعتين داخل المحيط، يتم خلال الرحلة تقديم الوجبات للراغبين في هذه الرحلة التي تبدو محفوفة بالخوف بالقرب من الشعب المرجانية الظاهرة في طرف المحيط.

المتطوعون جاهزون
وأكثر ما يلفت النظر في «ريدكليف» وجود عدد من المتطوعين بزي موحد، ويتركز وجودهم بشكل خاص أمام أحواض السباحة بمساحاتها الكبيرة، حيث تكون مهمتهم مراقبة حركة الأطفال داخل الحوض تحسباً لحدوث أي مكروه، وقد نصبت الأبراج العالية على جوانب الحوض لتسهل مهمة المراقبة، إضافة لوجود متطوعين آخرين على الأرض.
موقع
تقع مدينة بريسبان وهي عاصمة ولاية كوينزلاند في أقصى شرق أستراليا وتشرق الشمس عليها أولاً قبل أي مدينة أخرى في أستراليا، وهي من أجمل المدن الأسترالية لما تتمتع به من مناخ معتدل طوال العام وتتميز بروعة شواطئها وغاباتها وأنهارها.
تقع مدينة بريسبان بالقرب من المحيط الهادئ، على ضفاف نهر بريسبان، في السهول بين خليج موريتون وسلسلة جبال غريت دايفينغ، جنوب شرق كوينزلاند، ولا يفصلها عن شاطئ الغولد كوست الشهير إلا مسافة قصيرة.
سميت المدينة بهذا الاسم تيمناً بالحاكم الاستعماري والفلكي الاسكتلندي السير توماس بريسبان الذي كان يشغل منصب الحاكم لولاية نيوساوث ويلز بأستراليا.
تلقب المدينة محلياً باسم بريسي «Brissie» وتأسست المدينة عام 1824، الطقس فيها معتدل وشبه استوائي وتتمتع بمناخ تحسد عليه حار في الصيف وشتاء معتدل، هذه الصفات جعلت منها مدينة مثالية للزوار على مدار العام فمعظم أيام الشتاء مشمسة.
الكرة تبعد الجمهور عن أشهر الساحات

يعتبر ميدان «الملك جورج» أهم الساحات الشعبية في بريسبان وتحيط به مواقع أثرية واضحة، من بينها الكنيسة الأثرية والقاعة الكلاسيكية الضخمة، وهي قاعة يتم فيها تكريم الشخصيات البارزة وتنصيب السفراء الفخريين للمدينة من الطلاب الدارسين.
وتمارس العديد من الفعاليات في ساحة «الملك جورج» وتنصب الشاشات التلفزيونية الضخمة، ليتمكن الجمهور من متابعة الأحداث المهمة من بينها مباريات كرة القدم أيام كأس العالم ومباريات الكريكت والرجبي.
ومن غرائب سكان بريسبان، أن ارتباطهم بساحة «الملك جورج» ينقطع عند عرض مباريات كرة القدم، بما في ذلك كأس العالم، حيث يغلب على رواد الساحة جمهور الجاليات الأجنبية المقيمة، عندما يتعلق الأمر بكرة القدم، فيما تختفي الجاليات الأجنبية ويعود الشعب الأسترالي للساحة عند عرض مباريات الكريكت والرجبي.
قصة
وبعيداً عن جغرافية المكان، لم يكن المحامي السوداني عمار نجم الدين يعلم بأن قتل الثعبان في أستراليا جريمة يعاقب عليها القانون، حتى لو كان ذلك داخل منزله، ففي بداية أيام زواجه، اكتشف مع زوجته وجود ثعبان في المنزل، لم يتردد في قتله كشيء طبيعي، فتوقع أن يجازى بالشكر.
ولكن كانت المفاجأة عندما علم من جاره أنه ارتكب مخالفة كبيرة، وعلم أيضاً أن وصول الثعابين للمنازل من الغابات من الأمور الطبيعية ويتم التعامل معها عبر الاتصال برقم الشرطة، ليأتي الدفاع المدني للتعامل معها وحملها للمكان المناسب.
ويقول عمار الذي يقيم ويعمل في بريسبان منذ أكثر من 6 سنوات، إن الأمر كان مفاجأة له، واضطر لإبلاغ الشرطة بما فعله مع توضيح كل الملابسات من كونه جديداً في البلد وغير ملم بالقانون في هذه الحالة.
وأوضح أنه أوضح ذلك أيضاً في المحكمة، فتم تقدير موقفه، ليصبح هذا الموقف واحداً من الدروس المهمة في حياته بأستراليا، فكل شخص مطالب بالتعامل مع كل الكائنات بأقصى درجات الرفق حتى عندما يقود سيارته في الطريق، حيث يفترض فيه التوقف قبل إلحاق أي أذى بالطيور أو الحيوانات. الطريف أن الشاب السوداني عقب تلك الواقعة، أكد أن مسألة الثعابين أصبحت شيئاً عادياً بالنسبة له ولكل سكان أستراليا، وكثيراً ما يتم مشاهدتها تزحف من مكان إلى آخر.

اختراع
كما يتميز كورنيش ضاحية «ريدكليف» بتنوعه كمنطقة سياحية وترفيهية ورياضية في آنٍ واحد، ووسط هذا التنوع يوجد في أهم نقطة من الكورنيش المجهر البحري التاريخي الذي تم اختراعه في القرن التاسع عشر بوساطة فرانز أندرسون.
وكان يوجد في إحدى السفن البحرية المتطورة في تلك الفترة، وشاء القدر أن تغرق هذه السفينة في المحيط «الباسفيكي» بالقرب من كورنيش «ريدكليف» وتم إخراج «المجهر من السفينة الغارقة بصعوبة – بحسب ما ذكر روسيل أندرسون» أحد أحفاد المخترع في الوثيقة المعلقة بالقرب من الموقع الذي تم فيه نصب المجهر.
وتمت صناعة هذا المجهر من الفولاذ المقاوم للصدأ والألومنيوم المصبوب، ويسمح للزائرين بالنظر من خلاله لمعاينة الأحياء البحرية التي تظهر في سطح المجهر بشكل واضح، ويعتقد أن هذا المجهر كان واحداً من الأجهزة المهمة في السفن البحرية خلال الحرب العالمية الأولى.
