تحظى بطولة كأس آسيا لكرة القدم 2015، والمقامة حالياً في أستراليا، بمتابعة جماهيرية كبيرة في مدينة سيدني، وخاصة في شارع هالدون بمنطقة لاكيمبا، حيث تقيم الجالية العربية، فالمغتربون ضبطوا ساعاتهم على موعد انطلاق مباريات المنتخبات العربية، ويصرون على التجمع في المقاهي، وسط متابعة في أجواء حماسية ليس لها نظير.
تقع منطقة لاكيمبا في الضاحية الجنوبية لمدينة سيدني، قريباً نسبياً من القرية الأولمبية، والملعب الكبير الذي تقام عليه المباريات، اللغة العربية سائدة في أجواء المدينة وتشعر بأن لاكيمبا تتكلم عربي، لافتات المحال التجارية على الواجهة تحمل أسماءً عربية بحتة.
وتشعرك بأنك لم تغادر عالمنا العربي الكبير، يمتد طول شارع هالدون إلى نحو كيلومتر واحد، يرتاده العرب من كل أرجاء سيدني، حيث توجد البضاعة المستوردة في الأسواق، والتي تحمل طابعاً عربياً إسلامياً، خصوصاً في محال الجزارة واللحوم.
لاكيمبا عربية بحق، في لغتها ونمط حياتها وسكانها، وحتى في اهتمامها بكرة القدم، فهذا الحي وعلى خلاف بقية الأحياء والمناطق، الوحيد الذي يهتم ببطولة كأس آسيا ويتابعها باهتمام كبير.
بداية الرحلة

«البيان الرياضي» حرصت على زيارة الحي العريق وشارع «هالدون» بمنطقة «لاكيمبا»، وبعد رحلة سير في طرق مزدحمة دامت أكثر من ساعة، وصلنا إلى الحي المنشود، ومن بعيد لاح المسجد الكبير الذي يعُد أبرز ملامح الحي العريق، حيث يتجمع فيه المسلمون لأداء صلاة الجمعة.
ناهيك عن الصلوات اليومية، كما أنه يضم مكتبة عامة تضم الكتب الدينية وقاعة لحفظ القرآن الكريم للأطفال ومن يرغب من الكبار، إضافة إلى قاعة أخرى كبيرة تتم بها بعض الأنشطة الاجتماعية في إطار إسلامي.
على جانبي الشارع، تقع المحال والمقاهي والمطابع بأسمائها العربية. وتزامن الوقت مع مباراة المنتخب الفلسطيني والساموراي الياباني، والذي حرص عدد كبير من أبناء الجاليات العربية على مشاهدتها في المقاهي، من مختلف الأعمار من الشباب والأطفال والنساء، ووضح عليهم بعد المباراة الحزن الشديد عقب المباراة، والتي حبست أنفاسهم ووقفت قلوبهم بسبب الزلزال الياباني الذي هز المنتخب الفلسطيني برباعية قاسية.
أجواء وفخامة

وبعيداً عن أجواء المباراة، تختلف فخامة المقاهي من واحد إلى آخر، لكن الأجواء هي ذاتها، ويقول نور الدين كامل، مصري الأصل، هاجر إلى سيدني منذ 20 عاماً: الفلسطينيون الأكثر وجوداً في منطقة لاكيمبا من الجنسيات العربية، في حين يحتل اللبنانيون المركز الثاني ثم المصريون فالتونسيين فالجزائريين.
كما يقطن حي لاكيمبا عدد كبير من الباكستانيين والأفغان والهنود المسلمين، حيث ينعمون بالأجواء العربية الإسلامية ويحتمون به، تجنباً للممارسات العنصرية التي يمكن أن تحدث في أحياء أخرى من سيدني.
وحدة عربية

نجح المنتخب الفلسطيني في مباراته أمام اليايان في توحيد كل الجنسيات العربية في الحي، والتي كانت قلوبها تخفق له وتسانده بكل قوة، في البداية كان التوتر والتعصب واضحاً على الوجوه، وزاد توالي الأهداف اليابانية في تعكير الأجواء، والتي كانت تمني النفس بأن يحدث المنتخب الفلسطيني المفاجأة ويتجاوز المنتخب الياباني القوي، لكن للأسف انتهى اللقاء بفوز الساموراي، الوحيد الذي كسب من اللقاء هو المقهى نفسه، بعد أن تزايدت الطلبات على الأرجيلة والشاي والقهوة.
تحدي الحصار

من جانبه، وقال أكرم الغزاوي، فلسطيني الأصل أسترالي المولد: أنا فخور جداً بمنتخب بلادي ووجوده في نهائيات كأس آسيا شرف كبير في حد ذاته. لقد تحدى منتخبنا الحصار الإسرائيلي الذي بذل كل جهده لتعطيل الرياضة وإفشال منتخب كرة القدم بمنع اللاعبين من السفر للقيام بالمعسكرات.
لقد تعذر على اللاعب وليد سالم الالتحاق بالمنتخب، لأن إسرائيل احتجزته. وتابع: المنتخب الفلسطيني تحدى الاحتلال ووجه رسالة قوية إلى العالم بغض النظر عن نتائجه، ونحن كمهاجرين في أستراليا سعداء بوجوده بيننا. وختم مازحاً: اليوم لعبنا أمام بطل آسيا وموازين القوى متباينة لذلك فإن الخسارة غير مفاجئة.
غضب وتشنج
انتقلت «البيان الرياضي» إلى مقهى آخر بنفس الشارع «هالدون»، وكانت مباراة المنتخب الياباني والفلسطيني توشك على النهاية، فلمسنا توتراً شديداً في صفوف المشجعين.
ومنهم من رحب بالكاميرا وبالتصوير، وآخرون متعصبون رفضوا العدسة وأخفوا وجوههم، بينما فضلت السيدات الابتعاد، وهربن إلى زاوية خفية في المقهى، انتهت المباراة وخيم الصمت والحزن العربي على لاكيمبا، وخرجت رفقة بعض المغتربين في جولة في الشارع ليطلعوني على نمط الحياة وظروفهم وهمومهم.
كأس إفريقيا
ولا يقتصر اهتمام الجالية العربية على بطولة كأس آسيا فحسب، وإنما ينتظر المغتربون من شمال إفريقيا ومصر بشوق كبير انطلاق بطولة كأس إفريقيا التي تقام بغينيا الاستوائية وتبدأ بعد غد. فالتونسيون والمغاربة والجزائريون يترقبون بطولة قاراتهم ويتجهزون للاحتفال في المقاهي، وإحضار أعلام بلدانهم لتخفيف وطأة الغربة وتضميد جراح البعد عن الوطن.
بطولة
وقال مهدي بن راضي، وهو من تونس، ويعمل حلاقاً في سيدني منذ 10 أعوام: أشقاؤنا عرب آسيا انطلقت بطولتهم منذ أسبوع، وقريباً تبدأ بطولة عرب إفريقيا وستتحول لاكيمبا إلى احتفال عربي. وأضاف مازحاً: سنعلمهم فنون كرة القدم وكيف نراقص كبار المنتخبات وألمع النجوم المحترفة في أقوى الأندية الأوروبية، مشيراً إلى تفوق منتخبات شمال إفريقيا على منتخبات عرب آسيا فنياً.
رقابة أمنية
أوضح مغترب آخر اسمه ماجد التلي، أردني الأصل: نحن نمارس شعائرنا الدينية دون مضايقات والعرب سعداء في لاكيبما، ونساؤنا وبناتنا يرتدين الحجاب دون مضايقات، فلا يوجد سياسة ممنهجة ضد العرب والمسلمين. باستثناء بعض التصرفات الفردية من بعض الأستراليين المتعصبين.
المندي والكبسة تغزوان قلب أستراليا
تعد لاكيبما عالم عربي مصغر في سيدني حيث تحقق اكتفاءها الذاتي من المواد الغذائية والملابس وغيرها من الخدمات، فالعرب القاطنون بها لا يحتاجون إلى الذهاب إلى مناطق أخرى أو أسواق لتوفير حاجاتهم اليومية.
في شارع «هالدون» تنتشر المطاعم التي تقدم اللحم الحلال والأكلات العربية مثل المندي والفتوش والدجاج المشوي والفول والفلافل والكبة والكبسة.
وقال سعيد الطرابلسي لبناني الأصل أسترالي الجنسية: العرب يحتمون ببعضهم البعض في منطقة لاكيمبا. هنا يشعرون بالأمان على الرغم من المضايقات. وقال إن كثيراً منهم يعيشون ظروفاً صعبة نظراً لغلاء المعيشة في استراليا وخصوصاً الإيجار. وتنتشر ظاهرة السكن المشترك في شارع هالدون عند العرب لمقاومة ارتفاع الأسعار الجنوني.
انتباه
ومن المشاهد التي تشد انتباه الزائر إلى منطقة لاكيمبا واجهات المحلات التجارية حيث تحمل في الغالب تسميات إسلامية، كما تنتشر عبارة لحم حلال على جميع واجهات المحلات التي تتخصص في بيع اللحوم أو الأكلات التي يستعمل بها اللحم ومشتقاته.
وذكر لنا أحد العرب القاطنين بلاكيمبا أن هذه التسميات العربية والإسلامية لا يمكن السماح بها لمحلات في مناطق أخرى من سيدني. ولكن لاكيمبا استثناءً باعتبارها موطن العرب والمسلمين والسلطات الأسترالية تعلم جيداً طبيعة السكان لذلك تغض الطرف عن التسميات العربية والإسلامية.
وأفدنا المغتربون أن شارع هالدن يشهد أجواء رائعة في الليل حيث ينتشر الباعة على الرصيف ويتزاحم الناس متجولين ويتسوقون مع عائلاتهم. كما تشهد المطاعم والمقاهي حركة كبيرة. وتتماثل الأجواء في الليل مع نمط الحياة في العواصم العربية. ويتلذذ الزبائن بالمشاوي والكباب العراقي والكبسة الأردنية والمندي الخليجي.
ويعيش بلاكيمبا أغلب الطلبة العرب من السعودية خصوصاً وبعض الجنسيات الخليجية الأخرى بحثاً عن الدفء العربي والشعور بالأمان خصوصاً وأنهم حديثو العهد بلوعة الابتعاد عن أوطانهم وعائلاتهم. ففي لاكيمبا يجدون شيئاً مما يذكرهم بأسرهم وما يشبه وجبة الأم ورائحة البهارات العربية التي تفوح في شارع هالدن.
المنتخب الفلسطيني الأكثر شعبية في البطولة

يحظى المنتخب الفلسطيني بأكبر شعبية وقاعدة جماهيرية في منطقة لاكيمبا العربية بسيدني بين المنتخبات المشاركة في نهائيات كأس آسيا. ويعود ذلك إلى العدد الكبير من النازحين الفلسطينيين بالمنطقة. وتزين صور المنتخب الفلسطيني المحلات في شارع هالدون تعبيراً عن الانتماء العربي الفلسطيني ومساندة للفريق خلال مبارياته بالبطولة.
وخلال جولتنا في لاكيمبا توقفنا عند مطعم للوجبات السريعة علق على واجهته مجموعة من صور المنتخب الفلسطيني لنسأل صاحبه عن تفاعلهم مع العرس الآسيوي. ومن غرائب الصدف أن صاحب المطعم شاب فلسطيني لاعب سابق بنادي شباب جباليا الرياضي يدعى منيف صالح.
وقال منيف صالح: لعبت في نادي جباليا وأعرف أغلب لاعبي المنتخب الفلسطيني وهم أصدقائي وخاصة رامي صالح وهو صديق حميم ما زالت تربطني به علاقة جيدة وما زلنا باتصال مستمر على الرغم من هجرتي إلى سيدني. فقد تركت فلسطين عام 2006 وانقطعت عن اللعب نظراً للظروف الصعبة.
وذكر منيف أن والده كان عضواً في إدارة النادي أيام رئاسة عيسى ظاهر. وعن تفاعل واهتمام الجالية العربية مع كأس آسيا لكرة القدم ذكر أن المباريات تجد اهتماماً كبيراً من الشباب العربي ويتجمعون في المقاهي بصفة يومية لمشاهدتها.
وتابع: «كرة القدم تقوي العلاقات مع أوطاننا وتحيي أيضاً أوجاعنا وهمومنا كمغتربين. لا نفوت مباراة واحدة. لقد انتظرنا طويلاً هذه البطولة حتى نرى منتخباتنا ونلتقيها. لقد تعودنا على متابعة المباريات في المقاهي ونحن لا نفوت أي لقاء سوى كان طرفه منتخب عربي أو مقابلات الدوريات الأوروبية».
حضور
وكشف منيف أن عدداً كبيراً من الشباب الفلسطيني والعربي سافروا من سيدني إلى نيوكاسل اليوم لحضور المباراة في الملعب.
وعن عدم ذهابه إلى الملعب قال الشاب الفلسطيني: لقد ذهب شقيقي لحضور مباراة اليابان وبقيت أنا بالمطعم حتى لا نخسر عملنا ومصدر قوتنا لكن في المباراة المقبلة سأحضر بالملعب؟ هكذا اتفقنا على نظام التناوب، وأضاف: الحي استيقظ باكراً يوم مباراة اليابان وفلسطين حيث بدأ الشباب يحتفلون ويجوبون شارع هالدون على متن السيارات رافعين الأعلام، مؤكداً أن سرباً من السيارات تحول إلى نيوكاسل التي تبعد 170 كلم عن سيدني لمؤازرة المنتخب الفلسطيني.
العرب والرياضة .. مشاهدة وممارسة
أكد كاظم البغدادي عراقي الجنسية، أن علاقة المغتربين العرب في منطقة لاكيمبا لا تقتصر على متابعة المباريات بل يمارسون الرياضة أيضاً وذلك بتنظيم عدد من مباريات كرة القدم بالملاعب الحكومية.
وذكر مازحاً ننظم باستمرار أثناء العطل والإجازات بطولة عربية حيث نشكل فريقاً عن كل دولة ونتبارى في أجواء رائعة ونتنافس بكل روح رياضية بعيداً عن التشنج والخلافات.
وعما إذا كان العرب ينشطون ضمن أندية أسترالية في رياضات مختلفة قال: لا علم لي بشباب يلعبون الكريكيت أو السباحة أو ألعاب القوى مع أندية محترفة في سيدني لكن هناك أطفال ناشئين يمارسون الكاراتيه والتايكوندو والملاكمة في قاعات خاصة.
وأنشأت السلطات الأسترالية بسيدني نادياً رياضياً بمنطقة لاكيمبا فتحت أبوابه للشباب المغرمين بالرياضات الفردية. كما يقدم خدمات ترفيهية أخرى من شأنها أن تحتوي أبناء الحي وتجنبه الانحراف إلى الجريمة والمخدرات.
بنيامين تايلور مؤسس لاكيمبا
يعود أصل تسمية حي لاكيمبا العربي بسيدني إلى شخصية تاريخية أسترالية تدعى بنيامين تايلور كنيته لاكيمبا عاش في ما بين 1856 و1929.
وكان تايلور أول من سكن في هذه المنطقة وبنى بها منزلاً حيث كانت مهجورة وغير آهلة بالسكان باعتبار طبيعتها الغابية الموحشة.
واشترى تايلور 22 هكتاراً في القرن التاسع عشر وبنى بيتاً لا يزال قائماً إلى اليوم حيث تم ترميمه وتحويله إلى معلم تاريخي.
وأفادنا متحدثونا من العرب أن اللبنانيين أول من سكنوا بمنطقة لاكيمبا حيث حل ترحالهم منذ بداية القرن العشرين ثم لحقت بهم جنسيات أخرى من أشقائهم الفلسطينيين بعد الاحتلال والمصريين وآخرين من المغرب العرب. كما تشهد المنطقة توافداً كبيراً من النازحين السوريين الفارين من جحيم الحرب.
وظلت لاكيمبا وفية لمؤسسها حيث خصصت له لوحة بلورية كبيرة أمام منزله تحكي تاريخه وتخلده صوره.
عنصرية
رفاهية ومال

أن تعيش في سيدني فلا يعني الرفاهية والمال الوفير، وأن تعيش في لاكيمبا، فلا يعني أبداً راحة البال، كارم محمد، شاب لبناني يعمل سائق تاكسي يكشف الأسرار قائلاً: نتعرض يومياً إلى الاستفزاز من الأستراليين، يسخرون من لغتنا ويطلبون منا التكلم باللغة الإنجليزية فقط. أمهاتنا وبناتنا باتوا يخشون الممارسات العنصرية من قبل بعض الأستراليين
توقعات
عن توقعاته بحظوظ المنتخب الفلسطيني في البطولة أكد أحمد محمد اللاعب السابق بنادي جباليا أنه يحلم برؤيته في الدور الثاني لكن المهمة تبدو صعبة جداً نظراً لصعوبة مجموعته التي تضم اليابان والعراق والأردن.
وعن آمال المنتخبات العربية، يرى أن الأبيض الإماراتي قادر على الوصول إلى نصف النهائي إذا لعب بقية المباريات بالمستوى نفسه الذي قدمه في المباراة الأولى أمام المنتخب القطري (4-1).
خدمات
كفاءات عربية وعاطلون
يوجد بشارع هالدون مؤسسات إسلامية عدة تقدم خدماتها للعرب منها البنك الإسلامي والجمعيات الخيرية التي تلعب دوراً إنسانياً بتجميع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين في مناطق تعيش الفقر بآسيا وإفريقيا.
أما اجتماعياً فإن وضعية الجالية العربية بلاكيمبا تراوح بين المترفه والعاطل عن العمل. ففي سيدني يوجد خبرات وكفاءات عربية عالية المستوى من أطباء ومهندسين وغيرهم يحصلون على رواتب عالية. وفي المقابل يعيش آخرون تحت وطأة البطالة ويعانون صعوبات بالغة في مجابهة متطلبات الحياة.
