تمثل دورات كأس الخليج رحلة عمر بالنسبة لي فقد علمتني الكثير من التجارب وأكسبتني المعارف والاصدقاء فأصبحت جزءاً هاماً في مسيرتي العملية والاعلامية، فهي التي كونت لي شخصية على الصعيد الإعلامي ولهذا أصبح لها وضعها الخاص في قلبي ولها لي من المواقف والذكريات الحلوة والمرة التي علمتني الحب والتضحية والصبر
واليوم يتجدد الحديث عن عروس الدورات الرياضية كأس الخليج العربي التي تعود الى رياض الخير، فالجميع يتمنى أن تنجح الشقيقة الكبرى في تنظيم الحدث الكبير فهي ليست غريبة عنها وسبق تنظيمها ثلاث مرات .
والآن تمر وتعود الى أرض الذكريات لنا "فوق هام السحب" تحديدا حيث كانت المشاركة الخارجية الاولى لمنتخبنا الكروي في دورات كأس الخليج العربي الثانية عام 72 حيث نتطلع للحفاظ على اللقب، ومن يسترجع هذه السنوات سيجد الكثير من الذكريات الجميلة التي يحملها كل خليجي في أعماقه فهذه تجربة عمر لما تحمل هذه البطولة الغالية علينا من ذكريات جميلة والتي علمتنا فنون الإعداد والإدارة والتنظيم والاعلام الرياضي وبدأت الكرة في الخليج رحلتها في عالم المنافسة الشريفة تبحث لها عن هوية وعن مكانها اللائق فلم تكن هناك دورة تحظى بسمعة تستحق الالتفاف حولها وما يميزها عن غيرها بأنها علاقة حب بين القادة والشعوب مما أدى لوجود صلة وترابط قوي مما يعزز من مكانتها شيبتني كأس الخليج.. والله من وراء القصد.
استضافت العاصمة البحرينية المنامة دورة كأس الخليج العربي لكرة القدم الرابعة عشرة خلال الفترة من 31 أكتوبر وحتى 12 نوفمبر 1998 وأقيمت جميع المباريات على إستاد البحرين الوطني، وكانت احتفالية مثيرة، بسبب الأجواء الرائعة والترحيب الحار من أهل البحرين الذين احتضنوا العرس الخليجي في انطلاقته الأولى عام 1970، واستطاع منتخب الكويت أن يحقق لقبه التاسع في تاريخ البطولة ويحافظ عليه للمرة الثانية على التوالي بعد فوزه في خليجي 96 .

فيما حل منتخب السعودية وصيفاً، وجاء الأبيض الإماراتي ثالثاً ونال الميدالية البرونزية، بعد أن جمع 7 نقاط من الفوز على البحرين صاحب الأرض في الافتتاح بهدف نظيف، وتغلب على عمان 2/3 بينما خسر مرتين من السعودية بهدف ومن الكويت 4/1 وتعادل مع قطر بدون أهداف.
وقد حاز لقب هداف البطولة الكويتي جاسم الهويدي برصيد 9 أهداف، ونال السعودي محمد الدعيع لقب أفضل حارس مرمى، واختير الكويتي بدر حجي كأفضل لاعب في الدورة.
عرس المنامة
وللمرة الثالثة يقوم أمير دولة البحرين المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، بافتتاح دورة الخليج، حيث حضر حفل افتتاح الدورتين الأولى عام 1970 والثامنة عام 1986، وكان حفل افتتاح أشبه بليلة من ليالي ألف ليلة وليلة، وتستحق عليه المنامة أن تنال ذهبية التنظيم عوضاً عن غياب الأحمر البحريني عن منصة التتويج مع نهاية البطولة، حيث ظهرت المنامة في حلة عروس تتمتع بالروعة والجمال، وكان الفرح منثوراً في كل الأركان والمساحات وعبر الحفل بصدق عن أن بطولات الخليج تتميز دائماً بالتفرد والخصوصية والتمسك بالتراث وتاريخ الأجداد.

وقد كانت الفرحة كبيرة اتسعت لنفوس الجماهير، التي امتلأت بهم جنبات استاد البحرين الوطني، وأعطى الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير الدولة إشارة الافتتاح، ثم بدأت الفقرات المتنوعة وكانت أبرزها الأوبريت الغنائي الراقص، الذي رحب بضيوف المنامة وجاءت كلماته معبرة ومؤثرة، بالصوت والصورة حيث تغنى الجميع عن الإمارات قائلين: (أهلاً إمارات الوفاء، قلبي بكم هيمان من أبوظبي أو من دبي أو من ثرى عجمان والشارقة والرأس وفجيرة الشجعان وأم القيوين التي محلها الأجفان) وكانت التحية الأكبر عندما جاء ذكر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وسط أضواء أشعة الليزر لتحول اللوحة الى قمة الروعة والزهرات يرتدين ألوان الطيف ويجسدن فرحتهن من القلب، وتوالت التحية عبر كلمات جميلة رائعة (دار بو فيصل فهد مظلة الإسلام، وهلا بالمسك والريحان، قابوس يا فخر عمان، هلا يا كويتي يا دائم على الخاطر، وهلا وكل الغلا بك يا شعب جابر، وهلا بك يا قطري وأهلاً حمد.. أهلاً حمد، وكانت تحية من أهل الدار الى أبناء الدار، هلا باللي ما راح أو غرب رفع صوته أنا ياناس بحريني).
تهديد سعودي
من أبرز أحداث خليجي14، أن هدد المنتخب السعودي بالتدريب في الرياض قبل أي مباراة والعودة إلى المنامة يوم المواجهة التي يخوضها، إذا ما لم تكن الملاعب المعدة للتدريبات جاهزة، وكان المنتخب السعودي قد توجه الى ملعب الأهلي البحريني في أول يوم له في المنامة استعداداً لملاقاة شقيقه الكويتي لكنه وجده ممتلئاً بالمياه، مما تعذر عليه إجراء تدريبه الأساسي، وهذا الأمر دفع البعثة السعودية بالتهديد بالسفر إلى السعودية لأداء التدريبات والعودة لأداء المباراة المقررة لهم في جدول البطولة.
الحربان «كروان» مدرسة التعليق في الخليج

التعليق الرياضي موهبة فطرية لا يتقنه إلا من يهواه ويكون ملماً ومثقفاً وصاحب إطلالة وحضور فاعل قبل أن يجلس أمام الميكروفون، وفي الإمارات بدأنا التعليق بشكل ترفيهي في مباريات المدارس، عندما كانت لدينا حصص رياضية صحيحة وليست استعراضية، وقد علمنا المدرسون المصريون الأوائل أصول التعليق في المنطقة، واستفدنا من أبناء مصر الحبيبة فن التعليق، وعلى المستوى الشخصي كانت تجربتي في البداية من ملعب نادي الخليج مقر نادي ضباط الشرطة الحالي بالشارقة من فوق السطح، حيث كان المعلق يقوم بالتعليق على الهواء مباشرة عبر الإذاعة التي كانت منبراً ثقافياً اجتماعياً إعلامياً، وقد اتخذت من كروان التعليق والإعلامي الكويتي المخضرم خالد الحربان نموذجاً ومثلاً أعلى في أخلاقياته وبراعته وكفاءته في الوصف والتعليق.
وقد أوجد مدرسة مميزة أثرت في مسيرة الإعلام الخليجي منذ الستينات وتخرج على يديه العديد من الإعلاميين الرياضيين من بينهم «العبد لله»، حيث تعلمت منه الكثير وأنا أستمع إليه في راديو الكويت وهو يعلق على مباريات دورة الخليج الثانية بالرياض عام 72، وهو من أبرز الرياضيين الذين ارتبط اسمه بالدورات الخليجية، سواء منذ أن شارك فيها في مطلع الستينات أو من خلال مواكبته لمسيرة هذه الدورات، بل إنه شارك مع الكرة الكويتية في العديد من الأنشطة الإدارية والإشرافية، سواء على مستوى النادي العربي أو الاتحاد الكويتي لكرة القدم، ويمكن اعتبار انطلاقته الأولى في عام 1968 وكان عمري وقتها تسع سنوات، حيث علق على مباراة جمعت العربي الكويتي والإسماعيلي المصري، ومنها انطلق واشتهر وذاع صيته، وسطع نجمه أكثر وأكثر بعد أن علق على مباريات كأس العالم في إسبانيا 1982 وأولمبياد موسكو.
الجيل الذهبي
وصوت الحربان دخل كل بيوت المنطقة الخليجية من دون استئذان، ويذكرني دائماً بأمجاد الجيل الذهبي والكرة الجميلة والعصر الذهبي للأزرق والأمجاد التي حققها منتخب بلاده الكويت في السبعينات والثمانينات، وحصد جميع البطولات الخليجية والآسيوية والتحليق في سماء العالمية بالوصول لمونديال إسبانيا 1982، كأول منتخب خليجي وعربي في آسيا ينال هذا الشرف، واستطاع بعفويته في التعليق، أن يكتسب محبة الناس خلال مسيرة تجاوزت 40 عاماً كمعلق موهوب له مكانة كبيرة لدى الجميع خاصة في قلبي، وبدأ مع الإذاعة قبل أن يصل إلى التلفزيون بعد أن سمعه وكيل وزارة الإعلام وقتذاك سعدون الجاسم وهو يعلق على مباراة العربي والكويت، وأعجب به ليبدأ رحلة التعليق على المباريات عام 1966 كمعلق متدرب وكانت أول مباراة يعلق عليها خارج الكويت بين الأزرق ومنتخب البحرين في «خليجي 1» بالمنامة عام 1970.
الجدة تخشى على صوت حفيدها
تذكر الحربان موقفاً طريفاً، فعندما كان يعلق على المباريات بالخارج كان الجميع من أفراد أسرته يستمع لصوته في الإذاعة (الراديو) عند جدته، وعندما كان الجميع يقوم بتعلية صوت الراديو من أجل الاستماع لصوته بتمعن ووضوح كانت جدته تقوم بـ«تقصير» صوت الراديو حتى لا يبحّ صوت حفيدها ويصاب بالتعب.
ألقاب
أطلق خالد الحربان عدة ألقاب على كبار نجوم الكرة الكويتية نذكر منها: جاسم يعقوب (المرعب - الرأس الذهبي - أبو العطاء السخي)، فتحي كميل (الفارس الأسمر)، وعبدالعزيز العنبري (المخلص)، ومرزوق سعيد (الصخرة السوداء)، وناصر الغانم (المهندس)، ومؤيد الحداد (الصانع البديل الناجح).
نبذة
يذكر أن خالد الحربان الحاصل على بكالوريوس التربية الرياضية من جامعة حلوان، لعب مع فريق المدرسة ثم أصبح لاعباً أساسياً في منتخب المدارس وانتقل كلاعب الى منتخب الكويت في عام 1961 حتى 1963، وعمل مدرباً رياضياً في مدرسة حولي الرسمية والنادي العربي، ومارس مهنة التعليق الرياضي منذ أواخر الستينيات وقدم برامج رياضية عدة في التلفزيون والإذاعة الكويتية.
