إذا كنا قد أشرنا في الحلقة الأولى من ملفنا إلى أن بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم، قاومت كل أشكال الإلغاء والتغيير والإضافة والحذف طوال عمرها الذي وصل إلى محطته الـ44، فإننا في الحلقة الثانية اليوم سوف نوجز 5 أسباب نرى أنها أسهمت في صمود البطولة ومقاومتها لكل موجات العواصف التي كادت تلقي بها بعيداً عن مكانها الطبيعي في قلوب الخليجيين والعراقيين واليمنيين على السواء، وتحفظ لها ديمومة الحياة لتبقيها البطولة الأقدم والأعرق في المنطقة.

ولعل من أبرز الأسباب الخمسة التي وقفت وبقوة وراء صمود كأس الخليج العربي لكرة القدم، هو ارتباط البطولة الوثيق بوجدان عموم أبناء منطقة الخليج العربي، ما منحها جرعة حياة حقيقية أبقتها عصية على كل المطالبات سواء بالإلغاء أو التحجيم أو الإضافة أو الحصر في دائرة غير دائرتها الحقيقية التي أنشئت من أجلها.

مدافعون أشداء

وفي حقيقة الأمر، أن الارتباط الوجداني بين البطولة وأبناء الخليج العربي، لم يتحقق ويقوى عوده ليصل إلى ما وصل إليه اليوم بوجود مدافعين أشداء عن مصير البطولة، لولا الدعم الرسمي للبطولة من أعلى المستويات القيادية في المنطقة، ويكفي هنا للتدليل على ذلك، الحرص الكبير من قبل أرفع القيادات الخليجية على حضور حفلي افتتاح وختام البطولة في أي نسخة من نسخها الـ21 الماضية.

موعد للحب

ودفع الدعم الرسمي عالي المستوى، إلى اهتمام مماثل لا يقل شأناً وتأثيراً من قبل الجماهير الخليجية التي باتت متيمة إلى حد الوله ببطولة كأس الخليج العربي، حتى صارت أيام البطولة مناسبة شبه مقدسة لدى عموم الجماهير..

وموعداً للحب واللقاء بالأشقاء من مختلف البلدان الثمانية، وفرصة لتعزيز أواصر الأخوة والتسامح والود في أرقى صورها العربية الأصيلة، وفتح مختلف بوابات التلاقي والتعرف والاطلاع على معالم البلد المستضيف من قبل جماهير البلدان الأخرى، في مشهد قد لا يتحقق في أي تظاهرة أخرى سواء كانت رياضية أو غيرها.

إرث خليجي

كما أن الرغبة الرسمية والشعبية العارمة في المحافظة على البطولة باعتبارها إرثاً خليجياً يمثل جزءاً لا يمكن التنازل عنه من مجمل إرث أبناء المنطقة، أسهم وبقوة في المحافظة على مكانة البطولة في قلوب الخليجيين والعراقيين واليمنيين طوال هذه السنوات، ما وضع المطالبين بإلغاء البطولة أو إدخال تغييرات جذرية عليها، في موقف غاية في الحرج..

لا سيما ما يتعلق بالمطالبة بإشراك منتخبات أخرى لا صلة جغرافية لها بمنطقة الخليج العربي، حتى انطفأت جذوة تلك المطالبة أو الدعوة بشكل شبه تام، حتى قبل أن يصل لهيبها إلى أي مستوى من المعقول والمنطق لدى عشاق البطولة الأقدم والأعرق في المنطقة.

السبب الخامس

وتعززت الأسباب الأربعة سالفة الذكر بسبب خامس تمثل في حقيقة أن بطولة كأس الخليج العربي هي صاحبة الفضل الأول في تطوير كرة القدم في دول الخليج العربي والعراق واليمن، بدلالة تأهل 4 منتخبات من أصل 8 إلى نهائيات كأس العالم، الكويت في العام 1982 في مونديال إسبانيا، والعراق في العام 1986 في مونديال المكسيك، والإمارات في العام 1990 في مونديال إيطاليا، والسعودية أربع مرات متتالية في أعوام: 1994 و1998 و2002 و2006 في مونديالات أميركا وفرنسا وكوريا الجنوبية واليابان وألمانيا.

مواصفات عالمية

يضاف إلى ذلك، أن بطولة كأس الخليج العربي تسببت كثيراً بإنشاء الكثير من البنى التحتية لكرة القدم الخليجية وبمواصفات عالمية شجعت الاتحادين الدولي والآسيوي لكرة القدم على إقامة بطولاتهما بضيافة الدول الخليجية نتيجة ما تتمتع به تلك الدول من منشآت رياضية عالية المستوى..

إضافة إلى أن البطولة تسببت بتكوين ثقافة رياضية في مختلف الجوانب التنظيمية والإعلامية والتسويقية وغيرها، ما أوجد كوادر خليجية على مستوى عال من الكفاءة والدراية نقلها إلى العمل في المستويين الآسيوي والدولي.

لا يمكن التحجيم

وبمجمل الأسباب الخمسة، يتبين أن بطولة كأس الخليج العربي واحدة من البطولات التي لا يمكن بأي شكل من الأشكال تحجيمها أو وضعها في إطار خارج إطارها الحقيقي، نظراً للحصانة التي تمنحها لها الأسباب الخمسة وغيرها معززة بالإسهامات التي قدمتها البطولة وما زالت لعموم أبناء الخليج العربي والعراق واليمن سواء على صعيد المستوى الفني للمنتخبات أو المتعة الجماهيرية ذات الخصوصية العالية، أو على صعيد ما توفرها البطولة في الأخرى المعروفة.

منذر عبدالله: عرس خليجي مرتقب

أكد منذر عبدالله المحلل في قناة أبوظبي الرياضية، أن أسباب استمرارية بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم رغم مطالبة البعض بإلغائها، يرجع إلى كون الجميع يعتبر البطولة عرساً كروياً خليجياً مرتقبا ينتظره أبناء المنطقة بفارغ الصبر للاحتفال به، رغم أنها ليست بطولة رسمية وغير معترف بها من الاتحادين الدولي والآسيوي.

وأضاف عبدالله قائلاً: البطولة ليست مناسبة للعب كرة القدم فحسب، بل هي مجموعة لقاءات ثقافية واجتماعية يتم خلالها إقامة الحفلات والتعارف بين أبناء دول المنطقة رغم بروز بعض المعوقات التي تمنع استمرارها في المستقبل نظراً لكثرة البطولات الأخرى على المستويين القاري والدولي، ليس على مستوى المنتخبات فقط، بل على مستوى الأندية..

إضافة إلى عدم ثبات «أجندة» البطولة وعدم تحديد مواعيد إقامتها، ما يعد أبرز التحديات أمام استمرار البطولة ومشكلة وعائق في عصر الاحتراف، لأن الأندية تدفع مبالغ نقدية كبيرة للاعبين المحترفين لديها، وذهاب هؤلاء اللاعبين في معسكرات طويلة مع منتخبات بلادهم يؤثر في تلك الأندية في منافساتها المحلية.

المنتخبات الأولمبية

وعن المقترحات لتطوير البطولة، قال عبدالله: حالياً تلتقي المنتخبات والأندية الخليجية كثيراً في بطولات الأندية الخليجية والقارية، وكذلك الحال بالنسبة للمنتخبات التي تأهلت إلى نهائيات البطولة الآسيوية في أستراليا 2015، لذلك فمن الأفضل أن يقتصر الاشتراك في بطولات الخليج العربي على المنتخبات الأولمبية وليس المنتخبات الوطنية، كما أنه من الأفضل أن يتم تثبيت موعد البطولة لتقام كل 4 سنوات لتقليل سلبيات إقامتها كل سنتين.

تقليل الضغوط

وعن ادعاء البعض أن البطولة تعد من مراحل الإعداد لكأس آسيا، قال عبدالله: بالعكس، هناك بعض المنتخبات تعتبر بطولة كأس الخليج العربي أهم من بطولة كأس آسيا، ومن يقول إنه يشارك في كأس الخليج العربي من الاستعداد لكأس آسيا، فإن السبب في ذلك إما تقليل الضغوط على لاعبيه أو لتضاءل فرص منافسته على اللقب.

تحقيق الأهداف

وحول رأيه في تحقيق البطولة لأهدافها، قال عبدالله: الكثير من الأهداف تحققت خاصة في البدايات، حيث أسهمت البطولة في تطوير المنشئات الرياضية في الدول المستضيفة..

وأتاحت الفرص أمام المنتخبات الخليجية للاحتكاك مع بعضها قبل انضمامها للاتحاد الدولي والآسيوي، كما أن البطولة أفرزت نجوم كثيرين، وأسهمت في تأهل منتخبات خليجية إلى نهائيات كأس العالم، منها منتخبنا عام 90 في إيطاليا، كما أن البطولة لعبت دوراً في التقريب بين الأشقاء من شعوب دول الخليج العربي وتبادل الخبرات ليس في المجال كرة القدم فقط بل في مجالات أخرى ثقافية واجتماعية وغيرها ووطدت العلاقات بين شباب دول المنطقة.

فقدان الخصوصية

وبشأن دخول المنتخب اليمني إلى البطولة وإمكانية مشاركة منتخبي الأردن والمغرب، قال عبدالله: بالنسبة لدخول اليمن فليس غريباً، لأنها من نفس المنطقة، وقد استفادت اليمن من تلك المشاركة فنياً وعلى مستوى إقامة منشآت رياضية حديثة لاستضافة البطولة هناك..

أما إضافة دول أخرى من خارج منطقة الخليج العربي، فإن ذلك يفقد البطولة خصوصيتها وستتحول إلى بطولة عربية وليس خليجية، إضافة إلى زيادة عدد المنتخبات أكثر يشكل عبئاً إضافياً على مشاركات المنتخبات في البطولات القارية والدولية.

وعن أقرب المنتخبات المرشحة لمعانقة لقب «خليجي22» بالسعودية، أجاب عبدالله بالقول: البطولة علمتنا ألا يكون هناك منتخب مرشح للفوز بلقبها خاصة في السنوات الأخيرة، وليس كما كان في السابق، حيث كان المنتخب الكويتي محتكراً للألقاب.

إعلام متطور

أسهمت بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم ليس في إنشاء وسائل الإعلام الرياضي في منطقة الخليج العربي فحسب، بل في تطويرها والارتقاء بها إلى مصاف متميزة مقارنة مع مثيلاتها في البلدان العربية الأخرى، حيث شكلت البطولة ميداناً خصباً لبروز الكثير من الكوادر الإعلامية في المجال الرياضي في مختلف دول المنطقة بفضل الملاحق المتعددة التي أفردتها الصحف في دول الخليج العربي لتغطية أحداث البطولة.

مدرسة خليجية

شكلت بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم سبباً رئيسياً لبروز العديد من القيادات الرياضية الخليجية، والتي تعدى مستوى كفاءتها الميدان الرياضي الخليجي إلى فضاءات عربية وقارية ودولية مرموقة عبر سلسلة مناصب احتلتها تلك القيادات بعدما اكتسبت الخبرة اللازمة والدراية الكافية للنجاح في الميداني الخارجي، لعل أبرزهم القطري محمد بن همام الرئيس الأسبق للاتحاد الآسيوي الذي يعد أحد تلاميذ مدرسة بطولة كأس الخليج العربي.

خليل غانم: لولا البطولة لما عرفنا الطلياني ويعقوب وماجد

أشار خليل غانم إلى أن البطولة تعتبر جماهيرية من الدرجة الأولى، وهي عيد للأنصار والمشجعين في كل دول مجلس التعاون، ولها قيمة خاصة، وفي السابق كان الملعب يمتلئ عن آخره، مشدداً على أنه لو لم تكن البطولة ذات أهمية، ما تهافتت عليها القنوات الفضائية ومحطات البث لاحتكار عملية النقل التلفزيوني، ودفعت الملايين من أجل أن يكون النقل حصرياً عليها كما يحدث في كل عام.

حدة وحماس

دعا خليل غانم النجم المونديالي ولاعب منتخبنا الوطني الأسبق، إلى ضرورة إبعاد بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم عن كل أشكال الحدة والحماس الزائدين عن حدهما في مباريات المنتخبات المشاركة، لضمان نجاح البطولة واستمرارها بالشكل الذي عرفه عنها أبناء المنطقة، كونها مناسبة للحب والود واللقاء بين الأشقاء، مطالباً بأن يؤدي الجميع دوره على أكمل وجه، بدءاً من اللاعبين ثم الأجهزة الفنية والإدارية والجمهور.

عرس وحلم

أقر خليل غانم، بوجود خصوصية لبطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم، ووقع خاص وسط أبناء المنطقة، كونها عرساً وحلماً ينتظره الجميع على أحر من الجمر، مشيراً إلى أن البطولة هي التي تقدم اللاعبين والمنتخبات للعالم، مؤكداً على أن المنتخبات التي تشارك في «خليجي 22» بالسعودية، ستجني عدة فوائد، خصوصاً أن كأس آسيا ستكون في يناير المقبل في أستراليا.