أستميح الروائية الجزائرية المشهورة أحلام مستغانمي عذراً، بأن أستعير من روايتها «فوضى الحواس» عنواناً لتحليل جانب من أداء التحكيم في خليجي 21 بالمنامة، بعد انتهاء مباريات الجولة الثانية للمجموعة الأولى، والمقصود في النفخ هنا هو النفخ في الصافرة واتخاذ القرارات صعبها وسهلها، في أي وقت وفي أي مكان من الملعب، وربما دون أخذ الحيطة والاهتمام لمعنى القرار وأهميته.
وفي الأغاني الجماهيرية وعند الملحنين والمطربين والمطربات، هناك نوتة موسيقية أمام الملحن كي لا يخرج عن النص، ويدخل في الفوضى بعيداً عن قصد الروائية مستغانمي، ليصبح اللحن في هذه الحالة نشازاً يصم الآذان، وفي فوضى التحكيم قرارات غير مقبولة وإلحاق أذى طبعاً من غير قصد - بفريق أو لاعب، وهنا نقول: إنه النفخ في الصافرة، وهل لمجرد النفخ فقط؟ هي في المحصلة نتيجة لمعطيات مهمة كان يجب أن تؤخذ في عين الاعتبار!
العراقي «صباح»
والحكم العراقي علي صباح الذي أدار قمة البحرين والإمارات «المفصلية»، ترك أثراً وبصمة في مباراة ملتهبة ومتقلبة، لم يرهبه الموقف والموقف هنا: ضغط النتيجة والأرض والجمهور وإيماءات لاعبي البحرين، ولم يرتفع نبضه فوق نبض اللاعبين، لتبقى أعصابه هادئة وبالتالي قراره بقي صحيحاً وواثقاً، وقد وجد في معظم مناطق الضوء التحكيمية، نعم هناك ملاحظات وهو إن تداركها - بالذات في استخدام البطاقات - لأصبح له مكان بارز، لكنه استحق أن نقول له: نعم.. أجدت.
أهم ما تميز به الحكم العراقي هو الحس التحكيمي الذي يعتمد على التركيز الذهني والحضور في المكان المناسب، ووضح أنه يستخدم قاعدة الجري الخفيف دائماً لتكون محطة انطلاقته التالية قوية، أي هو يجري من تسارع وبمسار أقول مسار للأمام، يضع اللعب الفعال واللاعبين تحت دائرة نظره، ويدخل منطقة الجزاء بخفة، ويتعامل مع اللاعبين بهدوء دون «تمثيل القوة والتخويف»، برغم أن في الفريقين نجوماً مؤثرين لم يشاهدوه من قبل.
القرارات الصعبة
الحكم اليمني مختار صالح الذي أدار لقاء قطر وعمان، نالت قراراته من الفضائيات وبعض اللاعبين والمحللين النقد لعدم الصحة، وخروج اللاعبين عن مسار تركيزهم وفق ما ذكروا! ومن المهم للحكم، أي حكم، أن يحفظ حق الفريق أي فريق بالتنافس العادل وعدم التسبب بضغطه أو الخوف من الحكم وقراراته، وهنا ليس المقصود مختار، لكن ما أود الإشارة إليه ليستفيد منه الحكم اليمني هو أهمية القراءة التحكيمية والتوقع، وأضيف جديداً: «متغير أو متغيرات التوقع من الحالة الواحدة» وربطها بالقرار الصحيح، وسأدلل على ذلك بشواهد، لقد أكثر الحكم من الجري العرضي (يكسب صاحبه رؤية ضيقة).
وبالتالي يكون التوقع متأخراً وبعيداً، ويحتاج هذا من الحكم سرعة انفجارية ستضعه تحت التعب وتنال من تركيزه وبالتالي التأثير في قراره أو قراراته، وهو وضح أنه تحرك في منطقه محدودة، لم تغط المناطق العميقة من الملعب، إن أهم شاهد هو أنه لم يتوقع لعبة التنافس بين كسولا مدافع قطر ومهاجم عمان عماد الحسوني في الدقيقة 86 وكان يجب إظهار البطاقة الصفراء ومنح قرار فني لعمان، والخط العريض هنا بالتوقع: قبلها بدقيقتين كانت هناك ركلة جزاء واضحة لعمان من جراء دفع كسولا للمهاجم الحوسني، فكان الحوار الذي امتد بينهما، ولو «نفخ» صافرته معلناً ركلة جزاء لما وقع الحدث الثاني!
الإمارات باتت تحتاج لحكم متمكن
يستحق المدرب مهدي علي المباركة على الأداء والجهد، فهو من نوعية المدربين المتفوقين وقد رأيت عمله ودقته وانضباطه، وللأمانة هو يتفوق على كثير من الأوروبيين بهذا الفكر الذي هو سر النجاح، من حيث الالتزام والدقة وعدم المجاملة، ولأنه لابد للربط مع مهام مهدي والتحكيم والمنتخب.
فإن منتخب الإمارات الحالي الذي يتم بناؤه منذ 5 سنوات بات يحتاج إلى نوعية متميزة من الحكام لإدارة مبارياته، ذلك أن مهارات لاعبيه ونجوميتهم تتطلب هذا النوع من الحكام كي لا يضيع الجهد، وليس توجيهاً لفرض رأي.
محلل : حكم قطر وعمان لم يستطع مجاراة اللعب السريع
قال المحلل والخبير التحكيمي عمر بشتاوي إن أهم ما رصده في مباراة قطر وعمان التي أدارها اليمني مختار صالح، هو ركلتا الجزاء: الأولى لقطر في الدقيقة 53 من لمسة اليد ضد المسلماني مدافع عمان، وسجل منها خلفان هدف السبق، والسؤال كيف اعتبر الحكم أنها لمسة يد متعمدة؟ في الحالة مسافة قصيرة، إذ قام المدافع بتكبير جسمه من خلال يده وبرغم المسافة القصيرة وقبل التسديد .
وهو يرى الكرة ففي الحالة ركلة جزاء، أما غير ذلك فإن الأمر لا يستحق ركلة جزاء، والصورة التلفزيونية أظهرت عدم رفع اليد قبل التسديد، وأما الثانية ركلة جزاء عمان: موقف الحكم لا يمكنه من الرؤية الدقيقة للحالة، وهي احتكاك من قبل المهاجم بالمدافع وتكبير قاعدة السقوط على الأرض لإقناع الحكم بضغط السقوط، وفعلاً أعلن عن ركلة جزاء!
وأما حالة الدفع من كسولا للحوسني فهي واضحة وهي مستحقه لكن الصافرة لم تخرج! عموماً مختار لم يجر أكثر من 5 إلى 6 كيلومترات في اللقاء وهو معدل يحتاج إلى رفع كي يتمكن من مجاراة اللعب الحديث وسرعته، ونأمل التوفيق للحكم مختار في مقبل المباريات لأنه مجتهد.
نقاط تحكيمية
أولاً: منتخب الإمارات مهاري ويصل بأقل عدد من التمريرات، ويجب أن يقابل هذا الوضع حكم فاهم ولائق بدنياً، وبالفعل حضر الحكم صباح في المكان المهم دائماً المكان داخل منطقة الجزاء أو قربها - أعطاه قدرة على اتخاذ أو عدم اتخاذ القرار، وقد شاهدنا كيف كان قريباً من حالة انفراد مهاجم البحرين جيسي جون وتقديرها بشكل سريع وبتركيز عالٍ وهي لعبة لا يوجد بها مخالفة.
ثانياً: نفس الأمر لهدف الإمارات الثاني، في تصوري أنه ربما ارتبك نوعاً ما، لكنه من البداية قرأ الحالة، ولو أن إسماعيل مطر سقط لاستحق ركلة جزاء «للمسك»، لكنه سدد بقوة انطلاقاً من قوة الدفع السريعة نتيجة الجري، وعندما شارك المهاجم علي مبخوت حارس البحرين.
لم يرتكب مخالفة، لأن الكرة لم تكن تحت سيطرة الحارس، والمعيار هنا (السيطرة للحارس والمخالفة من اللاعب)، ومن وجهة نظري الهدف سليم، ولو كان هناك حكم آخر لربما «نفخ صافرته» لمخالفة هي غير موجودة، كي «يخلص» من الموقف.
ثالثاً: بمراجعة شريط الفيديو للمباراة تجد أن الحكم من غير حسد يمتلك شخصية تحكيمية ناجحة، والمقصود هو أنه لا يمثل ولا يسعى للاستعراض، بل هو يدير كل حالة بدقه منطلقاً من القانون ومستخدماً (الإدارة).
رابعاً: العراقي «صباح»، أشهر 4 بطاقات في المباراة، 3 منها للإمارات، وفي التفصيل فإن إنذار حمدان الكمالي غير مستحق، نعم حمدان تأخر مرة قبل التسديد وهذا يحدث وهو لم يقصد تأخير الوقت برغم تقدم فريقه، وكان على الحكم أن يستخدم «أدواته» قبل الإنذار، ولنفس السبب أنذر الحارس علي خصيف قبل نهاية الوقت، ولكن هنا الإنذار مستحق، لأن هناك «تكتيك» بغرض قتل الهجوم البحريني، وهذه ثقافة عربية الأفضل ألا نراها في ملاعبنا.
خامساً: في هدف الإمارات الأول الذي سجله علي مبخوت ربط بموقف الحكم وقرار اللاعب: الكرة ارتدت من المدافع وردة فعل الحكم تغيرت فوراً، ومبخوت اتسم بالتركيز العالي، وراوغ الظهير وأكمل طريقه نحو المرمى (هذه الحركة أعطت الحكم مساحة ووقتاً قصيرين للوجود والتركيز)، وعودة إلى مبخوت، لو أنه مرر إلى إسماعيل مطر أو سدد بعنف، لما سجل، لكنه ركز في اللحظات القاتلة وتحت ضغط المسافة والمدافعين وسجل، فيما انفراده الثاني بالشوط الثاني، كان أسهل من الهدف لكنه افتقد التركيز.
سادساً: سمح الحكم علي صباح بانسيابية اللعب دون تدخل فوضوي، وهو قطع مسافة تقترب من 10 كيلومترات ويحتاج إلى تطوير سرعاته القصيرة، لأنه يجري تقريباً بنفس «الرتم».


