تشكل ذهبية السبّاحة الصينية اليافعة يي شيوين، التي حطمت بها سائر الأرقام القياسية بما فيها الرجالية، منعطفاً أولمبياً غير مسبوق. فقد أثيرت للمرة الأولى مسائل لم تخطر على البال تتعلق بتكنولوجيا تعديل الرياضيين وراثياً فيحصدون الذهب يمنة ويسرة. هل هذا ممكن؟

أدهشت السباحة الصينية يي شيوين العالم بأداء أولمبي اعتبر «خارقاً» في منافسات 400 متر سباحة السبت الماضي. فلم تكتفِ هذه الفتاة التي لم تتجاوز سن السادسة عشرة بعد بالميدالية الذهبية وإنما حصلت عليها محطمة سائر الأرقام القياسية، بما فيها رقمها الشخصي (بخمس ثوانٍ) والرقم العالمي «للرجال» بثانية كاملة. وكما نقلت وسائل الإعلام المختلفة فقد حدا هذا بمدير «رابطة مدربي السباحة الأميركيين»، جون لينارد، للقول فوراً إن إنجاز يي «من قبيل المستحيل وبالتالي مشكوك فيه ومزعج حقاً».

وأضاف صراحة انه يشك في تناولها منشطات قوية. وقال: «اعتدنا على حقيقة أن المنشطات المحظورة تفسّر كل أداء خارق، قصر الزمن أو طال». فردت عليه لجنة الأولمبياد بأنها أخضعت السباحة الصينية للفحص (كالعادة مع الفائزين بالميداليات الثلاث إضافة إلى اثنين آخرين تختارهم عشوائياً). وقالت إن الفحص الذي أجري عليها عاد بنتيجة سلبية (أي أن جسدها خالٍ من المواد المحظورة). ثم ردّت يي نفسها بنيلها الذهبية مرة أخرى في سباق 200 متر يوم الثلاثاء كيداً في الحاسدين المغتاظين.

شيء خارج عن المألوف

على أن كل هذا لم يُسكت جون لينارد، الذي يعتبر في زمرة المسؤولين الرياضيين المحترمين دولياً. فقال إن على اللجنة الأولمبية النظر بجدية في أن أداء يي «ليس طبيعياً». وأضاف قوله: «إذ حطمت هذه الفتاة اليافعة الأرقام القياسية بما فيها الرقم الرجالي وكانت خالية من المنشطات المحظورة، فربما تعين النظر في ما إن كان ثمة شيء «غير مألوف...

في مجال تعديل المورّثات مثلاً»، وبينما وصف مسؤول صيني هذا الطلب بأنه «يدخل في باب اللامعقول»، أشار مراقبون إلى أن ما يحاول لينارد قوله هو أن أولمبياد لندن 2012 «قد يكون الأول الذي يحاول فيه المتنافسون الغش بتعديل مورّثاتهم الطبيعية من أجل تطوير عضلاتهم وقدرات أوعيتهم الدموية على حمل كميات هائلة من الأوكسجين».

الافتراض ليس من قبيل الخيال العلمي

ما يتفق عليه المعلّقون في مختلف وسائل الإعلام البريطانية على الأقل هو أن كل هذا الحديث ليس من قبيل الخيال العلمي فقط لأن التكنولوجيا الطبية المتوفرة اليوم تجعل من فكرة «الأولمبيين المعدلين وراثياً» أمراً في متناول اليد إذا سعى إليه الإنسان فعلاً.الحديث هنا يتعلق بالتدخل المخبري في إعادة ترتيب المورّثات الطبيعية لدى الإنسان وتعديل طبائعها.

وهكذا يصبح لديك رياضي يتميز بقوة العضلات واتساع الرئتين والأوعية الدموية بشكل يفوق كثيراً ما لدى الرياضي العادي، بحيث إذا تبارى الاثنان صارت النتيجة محسومة حتى قبل بدء المنافسة بينهما. وبعبارة أخرى، فأنت تخلق «وحش فرانكشناين» الذي يحصد - في هذه الحالة - الميداليات الذهبية يمنة ويسرة على حساب الآخرين الملتزمين بالأمانة والمنافسة العادلة الشريفة.

ممارسة سرّية

يقول الدكتور تيد فريدمان، رئيس وحدة المورّثات في «الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات المحظورة» في تصريحات تناقلتها الصحف الغربية: «نحن لا نتحدث عن سيناريو مستقبلي. والواقع أنني سأدهش إذا قيل لي إن تعديل مورّثات معينة لدى بعض المتنافسين الرياضيين مجرد خيال علمي ولا مجال لحدوثه في أولمبياد لندن 2012».

ويمضي قائلاً: «يقيني هو أن هذه الممارسة تتم سرّاً هنا وهناك. بل أننا نعمل حالياً على تطوير التكنولوجيا التي تتيح لنا كشف الذين يستفيدون منها في مختلف المنافسات الرياضية للفوز غير المنصف. الواقع هو أن علم تعديل المورثات متاح لكل من استطاع التوغل في دروبه».

هل من الممكن الاستفاده من هذه التكنولوجيا في كل الأحوال فإن السؤال يبقى معلقاً: هل بوسع الرياضيين - أو المدربين - الاستفادة من هذه التكنولوجيا فعلاً؟ الإجابة على هذا السؤال تبدأ بأن التجارب المختبرية أثبتت، بما لا يدعو مجالاً للشك، أن بالوسع نقل النظرية من الورق إلى أرض الواقع الملموس.

ففي العام 2005 أوضح خبير الهرمونات الأميركي، رونالد ايفانز، من معهد الدراسات البيولوجية، كاليفورنيا، أن تعديل المورثات لدى فئران التجارب منحها قدرات عضلية لا تتوفر لها طبيعياً. وفي معرض تجاربه أثبت هذا العالم أن فئرانه المعدلة وراثياً قادرة، مثلاً، على مواصلة الركض لفترة ساعة كاملة بعد أن تُنهك الفئران الطبيعية وتعجز عن الحركة. وبالإضافة إلى هذا فقد اتضح أن الفئة الأولى المعدّلة تقاوم السمنة بغض النظر عما تأكله، وتبقى في أتم مراحل القدرة الجسدية حتى وإن حُرمت أجسامها من التمارين الرياضية.