مع قدوم كل نسخة من دورات الألعاب الأولمبية، الحدث الرياضي العالمي الأبرز، ينفتح شريان الجرح العربي على مصراعيه، فتطفو إلى سطحه البائس عشرات الأسئلة التي تكاد تكون مكررة، لماذا الحصاد الرياضي العربي في دورات الألعاب الأولمبية.

كان ومازال وربما سيبقى، ضعيفا، محبطا، ما الأسباب التي تمنع حدوث (انكسار) في جبل ماض مؤلم، وما الموانع التي تحول دون حصول (رعشة) في جسد حاضر أكثر إيلاما من أجل مستقبل رياضي يريده كل (الشعب العربي) مشرقا، بعدما عاش على وقع (حلم) أشبه بالكابوس منذ أول ظهور عربي في الدورات الأولمبية في العام 1912 في مدينة ستوكهولم السويدية وحتى بكين الصينية في العام 2008، (حلم) تفيد أبرز (أضغاثه) بأن 14 قطرا عربيا من 23 دخلت قائمة الشرف الأولمبي، ويا للحسرة!

ويواصل (البيان الرياضي) تسليط الأضواء الكاشفة على الحصاد العربي من خلال ملف يحمل عنوان (المجد الأولمبي)، نتناول فيه كل تفاصيل المشهد بالكلمة والرقم والرأي الحيادي وتجارب نجوم سجلوا أسمائهم في لوحة الشرف الأولمبي، قبل تقديم الحلول التي نرى من وجهة نظرنا، أنها الأصلح، وصولا إلى الأمل المنشود برؤية رياضة عربية يعرف نجومها طريق اعتلاء منصات المجد الأولمبي، الذي نعيش الآن على وقع دورته الثلاثين في لندن 2012.

 

منذ ظهورها الأول في دورات الألعاب الأولمبية في النسخة الخامسة في مدينة ستوكهولم السويدية في العام 1912 وحتى النسخة 29 من الدورة في بكين الصينية في العام 2008، والرياضة العربية تسجل تذبذبا واضحا في نتائجها المتحققة في الحدث الرياضي الأهم والأكبر في العالم، حتى بات ذلك التذبذب السمة الأبرز للرياضة العربية في الأولمبياد في ظل فقدان نصف قوتنا نتيجة ضعف مشاركة المرأة العربية في الدورات الأولمبية.

ولا شك في أن وراء عدم استقرار مؤشر نتائج الرياضة العربية في الدورات الأولمبية، أسبابا عدة تضافرت بمجملها لتنتج لنا صورة رياضية لا تسر الناظرين إلى تفاصيل المشهد الرياضي العربي على الصعيد الأولمبي، رغم أن التواجد العربي في الدورات الأولمبية قديم.

ابرز الأسباب

ولعل من بين ابرز الأسباب التي جعلت التذبذب في مؤشر النتائج هو السمة الأبرز للرياضة العربية على الصعيد الأولمبي، انعدام التخطيط المبكر للمشاركة في الدورات الأولمبية، وتراجع دور الكشافين للمواهب الرياضية، وتغييب دور المدرسة، وإسناد قيادة الرياضة إلى شخصيات لا تاريخ رياضي عريق لها، ما اسهم في التأثير سلبا على تفاصيل المشهد الرياضي العربي العام، فتمخض عن ذلك، إثارة حساسية النجوم أصحاب الإنجازات الأولمبية.

نصف القوة

كما شكل ضعف الدعم المادي والمعنوي المقدم من قبل الجهات الحكومية المعنية بقطاع الرياضة والشباب في العالم العربي، احد ابرز (ركائز) منظومة الأسباب التي قادت إلى تذبذب وتراجع نتائج قطاع الرياضة العربية في الأولمبياد، خصوصا اذا ما أضفنا إلى ذلك السبب، ظاهرة ضعف الحضور النسوي في مشهد المشاركات العربية في الدورات الأولمبية، ما افقد الرياضة العربية نصف قوتها تماما، فكلفها الكثير من الخسائر الرياضية في ميدان المقارنة مع دول أخرى تعول كثيرا على مشاركة العنصر النسوي في الأولمبياد.

كل العلة

وبكل تأكيد، أن ما ذكرناه من أسباب في أعلاه، قد لا يكون هو كل (علة) الرياضة العربية على المستوى الأولمبي، في ظل حقيقة ضعف البنية التحتية للرياضة العربية من حيث المنشآت القادرة على احتواء الشباب العربي رياضيا وفقا للآليات والسياقات الأولمبية المطبقة في البلدان المتقدمة التي سبقتنا في هذا المجال الحيوي، حيث اسهم ضعف البنية التحتية في إحداث خلل في المنظومة الرياضية.

وكما هو معتاد، فان المعالجات يجب أن تنطلق من دائرة او جوهر الأسباب أو المشكلات التي تعانيها الرياضة العربية على الصعيد الأولمبي.

ولذلك، لا جدوى من أي علاج بدون تلمس حقيقة وجوهر مشكلة الرياضة العربية، سواء في ما ذكرنا من أسباب، وهي جوهرية ولا شك في ذلك، أو من خلال التوصل إلى اكتشاف أسباب أخرى إضافية تعانيها الرياضة العربية في هذا البلد العربي أو ذاك.

وفي كل الأحوال، يتوجب أن يستند المعنيون عن الشأن الرياضي العربي في بحثهم عن حل، إلى رغبة أكيدة في الوصول بالرياضة العربية إلى المستوى المنشود الذي يستحقه أكثر من 350 مليون عربي يشدهم الحدث الأولمبي شدا قويا كل 4 سنوات، إما إلى الإحباط واليأس، أو إلى الأمل الذي تحول في دورات عدة إلى سراب زادته وهما، التراكمات السلبية التي أحدثها مؤشر التذبذب المتواصل في نتائج الرياضة العربية في الأولمبياد.

بين دورتين

وبكل تأكيد، يتطلع الجميع إلى ارتفاع أو على الأقل استقرار مؤشر نتائج الرياضة العربية على الصعيد الأولمبي عند حد أو نقطة أو فاصلة مبشرة، لا أن يتراجع مستوى مؤشر النتائج كما حدث في النسخة 29 في بكين 2008 مقارنة مع النسخة 28 في أثينا 2004، حيث حصل جميع الرياضيين العرب على ما مجموعه 10 ميداليات متنوعة في دورة أثينا، فيما جمع كل رياضيي العرب في دورة بكين ما مجموعه 8 ميداليات متنوعة فقط!

ويشكل مستوى نتائج الرياضة العربية في آخر دورتين اولمبيتن دليلا واضحا على تراجع الرياضة العربية على الصعيد الاولمبي.

قصة بالياباني

 

يحتفظ سجل دورات الألعاب الأولمبية بقصة أكثر من رائعة بطلها الأوحد نجمنا العربي الأولمبي محمد رشوان.

وتقول ابرز تفاصيل القصة، أن بطلنا العربي رشوان وبتطبيق عملي لروح وجوهر ومضمون الأخلاق العربية الأصيلة، رفض (استغلال) إصابة قدم منافسه الياباني في نهائي الوزن المفتوح للجودو في دورة الألعاب الأولمبية الـ 23 في لوس أنجلوس 1984.

وطوال النزال، لم يعمد بطلنا رشوان إلى توجيه أي (ضربة) لقدم منافسه المصابة، رغم قانونية ذلك وأهمية الحدث، حيث يتنافس اللاعبان حينذاك على الميدالية الذهبية في أكبر حدث رياضي عالمي.

لكن نجمنا رشوان تعامل مع الموقف بمنتهى الرجولة والإخلاص للروح العربية الأصيلة، ما منح منافسه فرصة التفوق، ليفوز الياباني بالذهبية، ويعانق رشوان ميداليتين في آن واحد، الأولى فضية الدورة، والثانية جائزة اللعب النظيف الممنوحة له من اللجنة الأولمبية الدولية تقديرا لموقفه الرياضي الأصيل.

ومن جراء ذلك الموقف البطولي، ذاع اسم بطلنا محمد رشوان في كل أرجاء اليابان، حتى بات رشوان اسما على لسان كل ياباني ويابانية!

وشدد بطلنا العربي الأولمبي محمد رشوان على أن الأخلاق في عالم الرياضة تبقى لدى الرياضي في أي لعبة، هي الأهم والأقدس من أي ميدالية في أي دورة أو بطولة مهما ذاع صيتها، مطالبا الأجيال الرياضية الحالية بحتمية الالتزام بالقيم الأصيلة للرياضة عبر المحافظة عليها في الملاعب والصالات والميادين كي تبقى الرياضة عنوانا لرفعة الشعوب ورقي الأمم والأوطان.

وأشار رشوان إلى أن أي نوع من أنواع المحافظة على القيم الرياضية، سوف يرفع من شأن الرياضي ويجعله اسما محفورا في ذاكرة الشعوب.

صاحب فضية «جودو 84» يرى المشكلة في انعدام الفكر الأولمبي

رشوان: الحل في «ثورة رياضية» شاملة

 

رغم طبعه الهادئ وأسلوبه الأهدأ في الحديث، إلا أن البطل الأولمبي العربي محمد رشوان، الفائز بفضية الجودو للوزن المفتوح في دورة الألعاب الأولمبية الـ 23 في لوس أنجلوس الأميركية في العام 1984، يصوب كلماته بقوة تكاد تخنق حالة اليأس التي تطبع مشاركات الرياضة العربية في الأولمبياد، بقوله: (الحل يكمن في إحداث ثورة رياضية شاملة تقضي على كل أشكال الإحباط واليأس والتراجع في نتائج الرياضة العربية على الصعيد الأولمبي، خصوصا ما يتعلق بانعدام الفكر والثقافة الرياضية الأولمبية التي أرى أنها أساس مشكلة الرياضة العربية في الأولمبياد).

فإلى نص حوار (البيان الرياضي) مع البطل الأولمبي محمد رشوان ...

أهلي و(ناسي)

أهلا بك في الإمارات.

- شكرا، اشعر أني بين أهلي و(ناسي) فعلا.

كيف تنظر إلى مشهد الرياضة العربية على الصعيد الأولمبي؟

- النتائج دائما هي الحكم، فإن كانت (كويسه)، فالمشهد (حلو)، وإن كانت (وحشه)، فالمشهد (مر)!

ليست (حلوة)

ونتائجنا العربية في الأولمبياد، هي هل (حلوة) أم (مرة) من وجهة نظرك؟

- لا، طبعا، نتائجنا في الأولمبياد ليست (حلوة)، خصوصا في الدورة الأخيرة في بكين 2008 مقارنة مع الدورة التي سبقتها في أثينا 2004، وبصورة عامة، أرى أن الحل لمشكلة الرياضة العربية يكمن في ضرورة إحداث ثورة رياضية شاملة تقضي على كل أشكال أو حالات اليأس التي تسيطر علينا نتيجة سوء نتائج الرياضة العربية في الأولمبياد.

انعدام التخطيط

والى ماذا تعزو نتائجنا السيئة على الصعيد الأولمبي؟

- الأمر واضح، انعدام الثقافة الرياضية الأولمبية، احد ابرز الأسباب، يضاف إليه انعدام التخطيط المبكر من قبل المعنيين عن شؤون الرياضة العربية، زد عليهما، عدم متابعة الموهوبين من الرياضيين سواء في المدارس أو الجامعات أو الأندية المغمورة أو في المناطق البعيدة عن المدن، ما يجعل وجه الرياضة العربية مستهلكا إلى حد كبير لعدم تجدده من دورة أولمبية إلى أخرى.

مشاكل أخرى

وماذا بعد؟

- وأيضا، هناك مشكلة أو مشاكل أخرى، تتمثل في ضعف التنسيق الرياضي بين اللجان الأولمبية العربية ووزارات الشباب في الأقطار العربية في الجوانب الأولمبية، ناهيك عن انعدام المراكز الأولمبية التي تعتبر الركيزة الأساسية لتخريج الأجيال القادرة على مواصلة مسيرة النجاح والتألق في الدورات الأولمبية.

وهل ما ذكرت من أسباب هي اصل مشكلة الرياضة العربية في الأولمبياد؟

- لا طبعا

ابتعاد الأبطال

ماذا بعد لديك من أسباب؟

- هناك مشكلة كبيرة تعاني منها الرياضة العربية بصورة عامة، تتمثل في ابتعاد الأبطال الأولمبيين عن إدارة الرياضة العربية، ما يعني عدم استفادة الأجيال التالية من خبرات أولئك الأبطال الأولمبيين.

بصراحة، هل تنظر إلى هذا الموضوع على أنه ابتعاد أم إبعاد؟

- يصمت قليلا، الأمر سيان عندي، سواء كان ابتعادا أم إبعادا، النتيجة النهائية، أن الرياضة العربية تخسر خبرة بطل أولمبي بمقدوره صناعة بطل مثله فيما لو أتيحت له الفرصة، ولكن أين تلك الفرصة!

من (اصله)

بقدر تعلق الأمر بك، هل أنت بعيد الآن عن الإدارة الرياضية في مصر؟

- أنا بعيد من (اصله) عن الإدارة، لم يكلفني احد بإدارة اتحاد الجودو أو الإشراف على إعداد بطل أولمبي، إلا بمبادرات خاصة مني حبا بوطني.

في هذا الجانب بالذات، بماذا تطالب؟

- بسرعة، أطالب بضرورة أن يتولى الأبطال الأولمبيون قيادة شؤون الرياضة العربية.

كيف تنظر إلى حصاد الرياضة العربية بين الأمس واليوم؟

- أكيد، أن هناك فارقا واضحا، وبصورة عامة، أرى أن مؤشر نتائجنا العربية في الأولمبياد في حالة تراجع.

المجد لأوطاننا

وعلى صعيد الدعم، هل حققتم إنجازاتكم كجيل سابق نظرا لوجود دعم اقوى مقارنة مع ما يحصل عليه الرياضيون العرب حاليا؟

- (بص)، حققنا معظم نتائجنا بالصدفة وبرغبة شخصية من الرياضي أو اللاعب نفسه، نعم كان هناك دعم، ولكن ليس بالصورة التي تقود إلى الحصول على ميدالية أولمبية، رغبتنا وإصرارنا على تحقيق المجد لأوطاننا وراء ما حققنا من إنجازات أولمبية.

سوء صرف

ولكن مستويات الدعم المالي المقدم إلى الرياضة العربية في الوقت الحالي، بات كبيرا، والدليل أرقام الميزانيات المعلنة، أليس كذلك؟

- أوافقك الرأي في أن هناك ميزانيات كبيرة معلنة للصرف على الرياضة العربية، ولكن الصرف يعاني من سوء صرف واضح، ولذا يتوجب صرف المبالغ المرصودة من قبل الحكومات العربية للرياضة في مكانها الصحيح وبشكل علمي مستند إلى التخطيط الدقيق والتنفيذ الأدق، وإيلاء الألعاب الفردية القدر الأكبر من الدعم المالي كون أبطالها هم من حققوا المجد للرياضة العربية على الصعيد الأولمبي.

لست متفائلا

بصراحة، ماذا تتوقع للرياضة العربية في أولمبياد لندن 2012؟

- لست متفائلا (أوي) بحصادنا في أولمبياد لندن، والسبب انعدام برامج الإعداد للرياضيين العرب المشاركين في الدورة، مقارنة مع الآخرين الذين دخل غالبيتهم معسكرات طويلة وخاضوا برامج تحضير أولمبي مستوفيا لشروط ومتطلبات الإعداد الأولمبي.

مذهل

 

وصف البطل الأولمبي العربي محمد علي رشوان الفائز بفضية الجودو في دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس 1984، العمل الذي يقوم به الآخرون بالمذهل بقوله: الدول الأخرى المتقدمة في دنيا الرياضية بمختلف ألعابها يقومون بعمل مذهل للإعداد لدورات الألعاب الأولمبية، فيما نحن العرب لا نفكر بالأولمبياد إلا قبل شهرين في احسن الأحوال!