بقيت خطوة واحدة نحو المجد ، المباراة النهائية قد تحسمها 90 دقيقة او تمتد الى 120 دقيقة ، وقد تزيدنا تشويقا لتمتد الى ركلات الترجيح الدراماتيكية لحسم بطل يورو 2012 ، لنترك تلك الفرضيات جنباً ، قبل أن نضع المؤشرات الفنية التي وضعناها في القراءة الأولية للبطولة ، أو في قراءاتنا التالية على مدار حلقتين عن حظوظ الفرق الثمانية التي تأهلت الى دور نصف النهائي .
ولم تخرج توقعات البيان الرياضي عن الفرق التي استطاعت أن تحسم بلوغها الى دور ربع النهائي من خلال معطيات فنية استندت إلى واقعية التحليل الفني ، التي دعمتها الاحصائيات التي خرجت بها الفرق من الدور الاول ، و قبل ان نضع اسبانيا و ايطاليا على طاولة التشريح التقني للبيان الرياضي لنحسم بطل يورو 2012 ، لا بد من وقفة لدروي نصف النهائي وربع النهائي للفرق الأربعة التي تستحق أن يضعها الفنيون المختصون تحت مجهرهم الفني لمعرفة الاستنتاجات الفنية التي ميزت كلا من ألمانيا و البرتعال و اسبانيا و إيطاليا في يورو 2012.
بين الخطط الهجومية والواقعية
على الرغم من التفوق الهجومي الذي فرضته كل من البرتغال و ألمانيا أمام التشيك و اليونان في دور نصف النهائي إلا أنهما فشلا في دور ربع النهائي امام الواقعية التي امتاز بها كل من اسبانيا و ايطاليا اللتين تخطتا فرنسا و انجلترا في دور الثمانية .البرتغال امام التشيك لم يجدوا الوقت للتفكير في سرعة التحول الهجومي في صناعة الفرص التهديفية بالرغم من الاستحواذ الفعال الذي بلغ نسبة 56% مقابل التشيك 44%.
امام الروح القتالية و الجماعية الصارمة في الضغط و تضييق المساحات امام الخصم و بقي السؤال كيف سيفوز الفريق بالرغم من ان المنطق الهجومي يصب لمصلحة البرتغال ، الاستحواذ في السيطرة على ايقاع اللعب ، السرعة لا بد من فاعليتها اكثر اذا ما ارادوا الفوز على التشيك ، تأهلت البرتغال بهدف سجله رونالدو بعد 20 محاولة هجومية مقابل هجمتين للتشيك، بذلك تؤكد على الحقيقة الفنية التي ذكرناها ان الفريق هو النجم بالرغم من وجود اللاعب المبدع الذي يبني عليه المدرب خطة لعبه.
أهمية حارس المرمى
الا ان البرتغال في دور نصف النهائي لم تستطع ان تتفوق على اسلوب الصبر التقني الذي تنتهجه اسبانيا ، بالرغم من المباراة وصلت الى ضربات الترجيح الهيتشكوكية ، و التي اكدت على اهمية حارس المرمى في حسم تلك المواجهات المباشرة بدون خصم كما فعل كاسياس ، البرتغال كشفت معاناة اسبانيا في كيفية افتقادها الى الحلول الهجومية في السيطرة على منطقة وسط الملعب التي تفوق فيها البرتغال دفاعيا بالرغم من نسبة الاستحواذ التي تفوق فيها الاسبان 57 % مقابل 43 % للبرتغال التي لم تستفد كثيرا من تفوقها الهجومي في اللمسة الاخيرة في انهاء الهجمة بفاعلية، رونالدو كان عبئا على لاعبي البرتغال بالرغم من حاجته الى انجاز شخصي على صعيد المنتخب.المانيا ابتكرت نهجا تكتيكيا جديدا في يورو 2012 في المزج بين رأس حربة تقليدي و استنساخ اسلوب اسبانيا الهجومي في كيفية التقدم من الخلف في اختراق العمق بفضل تحركات اوزيل في صناعة اللعب هجوميا .
و استطاعوا الفوز برباعية مقابل هدفين ، فكل الاحصائيات الفنية للمباراة تؤكد على سيطرة المانيا على المباراة تكتيكيا من زيادة ايقاع الاداء الذي يضعف الخصم و يستنزفه بدنيا ، فكانت نسبة استحواذ الالمان 66 % مقابل 34 % لليونان ، و 24 محاولة هجومية للالمان ، 14 محاولة مباشرة على المرمى، جماعية الالمان لم تبرز اي لاعب بالرغم من ان اوزيل كان الافضل بينهم من خلال التقييم الفني للمباراة الا ان المانيا بالرغم من قوتها الهجومية .
كانت تعاني بخلل دفاعي استغلته ايطاليا بفاعلية بالوتيلي ، الدفاع الالماني كان مصدر قلق للمدرب حاول كثيرا ان يخفي تلك الحقيقة الفنية بزيادة فاعلية الهجوم ليتراجع الخصم الى التفكير في الدفاع من المجازفة الهجومية ، الا انه في مرحلة خروج المغلوب استقبلت المانيا 4 اهداف و سجلت 5 اهداف ، فكانت الاضعف دفاعيا بين الفرق الاربعة الافضل اوروبيا ، و المنتخب الوحيد الذي استقبلت شباكه هدفين من الفرق التي صعدت الى دور نصف النهائي ، و هذا ما وضع استفهاما فنيا حول ان مستوى لاعبوي الدفاع الالماني الذين افتقدوا الى التفاهم و الانسجام التنظيمي في العمق.
المتابع للبطولة سيلاحظ بأن الفريقين بينهما الكثير من القواسم الفنية المشتركة بحيث لا يمكن التكهن بمن سيفوز على الآخر ، بالرغم من انهما التقيا في افتتاح مباريات المجموعة الثالثة و انتهت المباراة بالتعادل ، و طريقهما كانت متشابهة الظروف في الوصول الى النهائي ، كلاهما لعب الضربات الترجيحية ، كلاهما سجل نفس الرصيد من الاهداف في واقع المباراتين. ايطاليا امام انجلترا وصلت نسبة استحواذها 64 % نسبة الاستحواذ على الكرة بعدد تمريرات وصلت الى 815 تمريرة، 35 محاولة هجومية منها 20 محاولة على المرمى مباشرة ، اما امام المانيا فقد وصلت نسبة الاستحواذ 46 %.
وكان عدد المحاولات الهجومية 10 منها 5 مباشرة على المرمى الالماني.اسبانيا امام فرنسا بلغت نسبة الاستحواذ على الكرة 55%، 9 محاولات هجومية منها 5 محاولات على المرمى مباشرة، اما امام البرتغال فقد وصلت نسبة الاستحواذ 57 %.
وكان عدد المحاولات الهجومية 11 منها 5 مباشرة على المرمى البرتغالي. هذه المقارنة تؤكد لنا ثبات مستوى المنتخب الاسباني امام خصومه بفاعلية هجومية ثابتة.الفلسفة التكتيكية لمدربي الفريقين كانت واضحة في طريقة اداء المنتخبين ، حكمة ديل بوسكي في كيفية اللعب بدون رأس حربة صريح ، ومفاجأة برانديلي في طريقة اللعب "رامبو" التي اذهلت المراقبين واظهرت الوجه الهجومي الجميل للثقافة الدفاعية الايطالية .
ولكن تفوق الطريقتين بفاعلية هو اساس تنطلق من خلال وسط الملعب ، و بروز لاعبي القرار في المنتخبين ، اسبانيا تمتلك انيستا الذي فاز مرتين بلقب افضل لاعب في المباراة (امام ايطاليا / كرواتيا) اما ايطاليا فتضع ثقلها في بيرلو الذي منح فاعلية المتعة الهجومية الايطالية الذي فاز بلقب افضل لاعب 3 مرات (كرواتيا / انجلترا / المانيا) ، فهل سيكون انيستا هو صانع الفرح الاسباني ام بيرلو سيكون هو افضل لاعب في البطولة في مساهمته الفعالة في فوز ايطاليا باللقب.
الفريقان لعبا بتكتيك تقني في كيفية المحافظة على الحيوية البدنية والذهنية في اصعب اللحظات الحاسمة من ادوار البطولة، خصوصا حينما احتكم كل منهما الى ضربات الجزاء الترجيحية لمواصلة المشوار ، ايطاليا امام انجلترا ، اسبانيا امام البرتغال ، لكن تلك اللياقة الذهنية القوية و الاعداد النفسي يظهران بقوة من خلال الرغبة في تسديد الضربات الترجيحية ، و ايضا من خلال كفاءة حارس المرمى في صد تلك الضربات لدورهما في صعود الفريق و الفوز في المباراة ، بوفون و كاسياس نقطتا قوة للفريقين اذا ما وصلا الى تلك النهاية ، الا ان قوة الدفاع الاسباني احصائيا تتفوق على ايطاليا بفارق هدفين.
إيطاليا تتحدى التكهنات
بالرغم من كل التكهنات والترشيحات وضعت اسبانيا و المانيا على عتبة التاريخ ، الا ان ايطاليا وضعت نفسها في الطرف الثاني في المواجهة النهائية امام اسبانيا التي تقدم الكرة الافضل في الوقت الحالي ، اسبانيا تريد ان تكتب تاريخا جديدا في الكرة الاوروبية الا ان ذاكرة التاريخ تؤكد لنا ان ليس هناك فريق استطاع ان يحافظ على نجومية البطل لبطولتين متتاليتين ، الا مرة واحدة قبل 30 عاما في التأهل الى 3 نهائيات متتالية ، فهل ايطاليا ستكون بطلة يورو 2012 بعد خسارة قبل 12 سنة ، مفارقة رقمية بين 2000 و 2012 بالنسبة لايطاليا.
اسبانيا في اسلوب تيكي تاكا الذي يعتمد على التمريرات القصيرة لانهاك المنافس و استغلال اي فجوة دفاعية لم يفلح في المباراة الافتتاحية امام ايطاليا التي واجهت هذا الاسلوب التكتيكي الناجح لاسبانيا من خلال التماسك الذهني في عدم الاندفاع الذي يخل بالمنظومة ، و الكفاءة التي يظهرها اللاعبون في فاعلية المنظومة ، نهجان تكتيكيان امام تحد كبير في اثبات فعالية احدهما على الآخر للفوز بكأس الامم الأوروبية
