في أحد أركان غرفة مظلمة، تجلس رياضية وحيدة، مثقلة بالحزن، فيما تنساب الدموع من عينيها بعد أن أصبحت هدفاً لحملات التنمر على مواقع التواصل الاجتماعي.
أداء تراجع، فتحول سريعاً إلى مادة للسخرية والتهكم، دون أن يتوقف أحد ليسأل: ما الذي أوصلها إلى هذه اللحظة؟
ما الضغوط التي حاصرتها؟
وما المعارك الصامتة التي خاضتها بعيداً عن الأضواء؟
هذا، على ما يبدو، هو حال لاعبة التنس المصرية هاجر عبد القادر، التي وجدت نفسها في مرمى موجة واسعة من الانتقادات والإهانات والاتهامات، عقب مشاركتها بأداء أقل من المتواضع في بطولة أقيمت في كينيا، وبلغت تكلفتها 150 ألف درهم.
وما تعرضت له هاجر يضعنا جميعاً أمام لحظة رياضية مألوفة، تلك اللحظة التي تمر في أذهاننا سريعاً فنقول لأنفسنا: «كان بإمكاني أن أقدم أفضل من ذلك»، وربما تكون تلك اللحظة مرتبطة بمهاجم يهدر فرصة هدف محقق، أو لاعب تنس يرتكب خطأً مزدوجاً، أو لاعب كرة سلة يضيع رمية حرة، أو حتى حارس مرمى يمرر الكرة مباشرة إلى الخصم.
وفي الحقيقة، قد يكون هذا التصور صحيحاً في حالات نادرة، وربما نستطيع، لو كنا في المكان المناسب والوقت المناسب، أن نحقق نتيجة أفضل من مجرد خطأ فادح، ولكن التواضع يفرض علينا الاعتراف بأن الحفاظ على مستوى مقنع طوال المباراة أمر مختلف تماماً، ويتطلب ما هو أكثر من لحظة عابرة.
ومن هنا، ننتقل إلى محاولة أخرى لفهم فكرة أسوأ أداء رياضي على الإطلاق، عبر استحضار نماذج لرياضيين دخلوا التاريخ، ليس بسبب إنجازاتهم، بل بسبب ضعف مستوياتهم، من أبطأ عداء في التاريخ، إلى سباح لم يكن يعرف شيئاً عن الألعاب الأولمبية قبل مشاركته فيها، وصولاً إلى لاعبين أذهلوا العالم بسوء أدائهم لدرجة أن بعضنا قد يظن أنه قادر على التفوق عليهم.
هاجر عبد القادر
نبدأ قصصنا من الحاضر، مع لاعبة التنس المصرية هاجر عبد القادر، البالغة من العمر 21 عاماً، التي أثارت جدلاً واسعاً أخيراً عقب خسارتها القاسية بنتيجة 0-6 و0-6 أمام لورينا شيدل، المصنفة 1026 عالمياً، ضمن الدور الأول من بطولة الاتحاد الدولي للتنس للسيدات في نيروبي، ولم تسجل اللاعبة المصرية سوى ثلاث نقاط فقط، جاءت نتيجة أخطاء منافستها، في مباراة لم تتجاوز مدتها 37 دقيقة.
وكان أداء هاجر كارثياً إلى حد دفع كثيرين للتساؤل عما إذا كانت قد لعبت التنس من قبل، ما أعاد طرح السؤال مجدداً: «من هم الرياضيون الآخرون الذين كان أداؤهم ضعيفاً إلى درجة قد تجعل أي شخص عادي يبدو أفضل منهم؟».
وللإجابة، نعود بالذاكرة إلى دورة الألعاب الأولمبية في سيدني عام 2000، وتحديداً سباق 100 متر سباحة حرة، حيث تنافس بعض من أفضل السباحين في العالم، وكان من بينهم إريك موسامباني، ممثل غينيا الاستوائية.
إريك موسامباني
لم يكن موسامباني قد بدأ ممارسة السباحة سوى قبل ثمانية أشهر من الأولمبياد، ولم يكن يعرف حتى ما هي الألعاب الأولمبية، قبل أن يبحث عنها في المكتبة الوطنية لبلاده. وشارك عبر نظام بطاقات الهدايا «الوايلد كارت»، والذي يهدف إلى تعزيز مشاركة الدول النامية، بينما اقتصر تدريبه على ثلاث ساعات سباحة أسبوعياً في مسبح فندق خاص، أو في مياه بلاده التي تعج بأسماك القرش والتماسيح، في ظل غياب المسابح العامة.
ولم يكن مفاجئاً أن يواجه صعوبة بالغة، إذ بالكاد تمكن من إكمال السباق، مسجلاً زمناً بلغ دقيقة و52 ثانية و72 جزءاً من الثانية، ليصبح أسوأ زمن في تاريخ الألعاب الأولمبية، متأخراً بخمسين ثانية عن أقرب منافسيه، ومع ذلك، تحول موسامباني، الذي دربه الصيادون، إلى حديث العالم، ونال حب الجماهير واهتماماً إعلامياً عالمياً.
نصرة أبو بكر
في مثال آخر، شعر كثيرون بأن هناك خطباً ما عندما سجلت عداءة سباق 100 متر عدو زمناً يُعد بطيئاً حتى بمقاييس طلبة المدارس، إذ شاركت الصومالية نصرة علي أبو بكر، في دورة الألعاب الجامعية العالمية بالصين عام 2023، مسجلة زمناً بلغ 21.81 ثانية.
وأثارت مشاركتها تحقيقاً صحفياً تصدر عناوين الصحف العالمية، وسط اعتقاد بأن هذا الزمن هو الأبطأ في تاريخ سباقات 100 متر الرسمية، وانتهى التحقيق بإقالة رئيسة الاتحاد الصومالي لألعاب القوى، خديجة عدن داهر، على خلفية مزاعم المحسوبية، بعدما تأكد أن نصرة هي ابنة أختها.
وزادت الأزمة تعقيداً بعدما نشرت خديجة منشوراً على «فيسبوك» تهنئ فيه نصرة على التأهل، قبل أن تكشف اللجنة الأولمبية الصومالية أن نصرة ليست رياضية ولا عداءة في الأساس، وأن أي شخص عادي كان بإمكانه تحقيق أداء أفضل منها.
راشيل غان
في باريس 2024، لفتت راقصة البريك دانس الأسترالية راشيل غان، المعروفة باسم «رايغون»، الأنظار عالمياً خلال الألعاب الأولمبية، ليس بسبب تميز أدائها، بل بسبب مستواها الضعيف للغاية، ورغم تأهلها بشكل شرعي بعد تفوقها على 14 راقصة أخرى من أوقيانوسيا، فإنها فشلت في حصد أي نقطة خلال معارك الرقص الثلاث التي خاضتها.
وأدت حركاتها، التي شبهت بالقفز على طريقة الكنغر، إلى موجة سخرية واسعة، رافقتها اتهامات غير صحيحة بالفساد، وزعمت أنها ساهمت في تأسيس الجهة المشرفة على التصفيات، وأن زوجها كان عضواً في اللجنة.
علي ضياء
أما في كرة القدم، فدخل علي ضياء التاريخ بسبب واحدة من أشهر الخدع، بعدما نجح في إقناع المدرب غرايم سونيس بمنحه فرصة اللعب مع ساوثهامبتون عام 1996، إذ تلقى سونيس اتصالاً هاتفياً من شخص ادعى أنه جورج ويا، أفضل لاعب في العالم آنذاك، طالباً منه منح ابن عمه فرصة تجربة.
ورغم فشل ضياء في تجارب سابقة مع أندية أخرى، وقع سونيس ضحية الخدعة، خصوصاً بعد الادعاء بأن اللاعب سبق له اللعب مع باريس سان جيرمان، وهو ما لم يكن صحيحاً، إذ كان ضياء يلعب في دوريات الدرجة الأدنى بفرنسا وفنلندا وألمانيا وإنجلترا.
ويؤكد سونيس أنه أدرك بعد خمس دقائق فقط من التدريب أن ضياء لا يستحق، لكنه بسبب نقص اللاعبين، أشركه في مباراة أمام ليدز. وأثناء اللقاء، أصيب مات لو تيسيي، ودخل ضياء بديلاً له، إلا أن مشاركته لم تستمر سوى 20 دقيقة قبل أن يتم استبداله.
ومن إريك موسامباني إلى هاجر عبد القادر، يتكشف التحول القاسي في معنى الأداء الأسوأ، ولم يعد الفشل رقماً يتوقف عند عقارب التوقيت، بل صار جرحاً نفسياً مفتوحاً تصنعه منصات التواصل بلا رحمة، وفي رياضة العصر الرقمي، قد تنتهي الخسارة مع صافرة النهاية، لكن العاصفة الحقيقية تبدأ بعدها، حين تتحول الجماهير من مشجعين إلى قضاة، وتصبح موجات الكراهية أشد فتكاً من أي هزيمة داخل الملعب.

