الحديث عن الحكام وأخطائهم لا يتوقف، ليس في كرة القدم فحسب وإنما في كل الألعاب، وخاصة التي تكثر فيها مساحات القرارات التقديرية لسلطة الحكم، وقد تسبب تكرار هذا الحديث في خلق فجوة بين الحكام وبين باقي الأطراف في كل لعبة، وهي بلا شك ظاهرة خطيرة وتأثيرها أخطر على المدى الطويل، وتعتبر أحد العوامل المساعدة على دخول جريمة الشغب إلى الملاعب، ليس بين الجماهير وبعضها ومع الحكام، وإنما بين اللاعبين وبعضهم ومع الحكام أيضا، ولو استرجعنا شريط الأحداث في الفترة الماضية سواء على الصعيد المحلي أو العربي والدولي لوجدنا الكثير من الوقائع المؤسفة التي تدعونا إلى ضرورة اتخاذ التدابير لوقف هذا التصاعد المخيف والذي يضر بمستقبل الرياضة.
أتذكر وأنا ناشئ صغير، عندما كنت أرتدي زيا جديدا وأحرص على الحفاظ عليه كان يتعرض للضرر، ولكن عندما كنت أنسى الأمر وأخرجه عن دائرة تركيزي ما كان يحدث شيء، ومع كبري سمعت المثل القائل "ما يزيد عن حده ينقلب ضده"، وأدركت أنه يلخص تجربتي مع الملابس الجديدة، والآن بعد أن تقدمت في السن أرى أن ما يحدث في ساحتنا الرياضية هو تكرار لحكايتي القديمة، وأن الحديث الدائم عن أخطاء الحكام وتنبيههم إلى ضرورة اهتمامهم وتركيزهم في عدم تكرارها، ناهيك عن النصائح والإرشادات وفي الغالب اللوم ومعاقبتهم من المسؤولين، كل هذا دفعهم إلى الحرص الزائد الذي تحول إلى مزيد من الأخطاء ومزيد من الغضب والاعتراض، وبالتأكيد في حال الاستمرار على نفس النهج فلا استبعد حدوث تفاقم في المشهد.
من هذا المنطلق أقترح الاستفادة من تجربتي القديمة، في الشق الثاني منها، نحن في حاجة إلى هدنة بحيث يراجع كل منا نفسه ويهتم في هدوء بمراجعة وتصحيح أخطائه دون ضغوط خارجية تزيد من تعقيد الأمور، فالمنطق يقول إن الإنسان في حال تلقيه الضربات والهجمات ليس أمامه إلا محاولة التصدي لها وتقليل أضرارها، ولن يستطيع تصحيح دفاعاته وحصونه إلا إذا حصل على هدنة وتوفر أمامه الوقت، ولهذا لابد وأن نعطي الحكام واللجان المسؤولة عنهم الوقت الكافي لتصحيح الأخطاء والأوضاع، وعمل ما من شأنه صقل قدراتهم وخبراتهم وليس فقط كشف أخطائهم وتعريضهم للحرج بالتجريح.
وحتى تؤتي هذه الطريقة ثمارها نحن في حاجة إلى ميثاق شرف يقره الجميع بالامتناع عن توجيه أي انتقاد أو لوم للحكام، وخاصة من جانب أولي الأمر والمعنيين المباشرين، وهم مسؤولو الأندية والفرق والمدربون، ومعهم بالطبع اللاعبون، فإذا حدث هذا لن نجد أي اعتراض من الجماهير التي تأتي أفعالها وأقوالها في غالب الأمر تأثراً بما يصدر عن أولي الأمر. وفي نفس الوقت على الاتحادات أن تقوم بدورها في تطوير حكامها ليس بدراسات الصقل وحسب، وإنما بحزمة من الإجراءات مثل الاستعانة ببعض مشاهير الحكام من وقت إلى آخر لإدارة مباراة أو مباراتين كنموذج يمكن الاقتداء والتأثر به، ووضع الحوافز كجائزة مالية لأفضل حكم بجد كل شهر، وعندها أنا على يقين من حدوث ارتقاء غير عادي بمستوى الحكام واختفاء صادق لظاهرة انتقادهم والتطاول عليهم.