مع إقامة سباق صير بونعير للسفن الشراعية يوم أمس، تذكرت العديد من الأحداث التي صاحبته على مدى سنوات طويلة مضت، كنت فيها جزءًا من هذا الحدث السنوي الذي يهدف إلى إحياء تراث أصيل وهو رحلة القفال، ووجدت أن القاسم المشترك في كل هذه الذكريات كان سعيد حارب، ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بالرياضات البحرية لأكثر من ربع قرن، ونجح بجهود مخلصة وتعاون صادق من مجموعة من المساعدين الذين رافقوه طوال هذه الرحلة، في توسيع دائرة السباقات والمشاركين فيها، والانتقال بها من المحلية إلى العالمية، حتى أصبحت دولة الإمارات قبلة حقيقية لجميع أنواع السباقات البحرية، وعضواً فعالاً ومؤثراً جداً في جميع الاتحادات الدولية.
وما دفعني إلى الغوص في أعماق هذه الذكريات، هو ذلك القرار الذي أعلنه «أبو محمد» مطلع الأسبوع الماضي، باعتزال العمل في مجال السباقات البحرية، والتفرغ لأشغاله الأخرى غير المنفصلة عن البحر، وتبين لي من خلال هذه الذكريات صعوبة تخيل تنظيم السباقات البحرية من دون سعيد حارب. لا أقول هذا بدافع العاطفة، وهذا الارتباط الطويل بالرجل، وإنما من خلال معرفتي بإمكانياته وخبراته، فهو لا يقبل الفشل، ولا يرضى بغير النجاح، ولا يقبل أنصاف الحلول والاكتفاء بمجرد التواجد في أي مكان، وهو ما فرض على كل من عمل معه الانتظام والالتزام والبذل بسخاء، وهذا ما ميز سعيد حارب، ودفعه إلى عدم قبول إلا ما يليق بقدراته وإمكاناته.
لا يمكن أن أنسى سعيد حارب النقيب في المنطقة العسكرية، عندما كان ينتقل من عمله الذي يبدأ عند السادسة صباحاً، إلى الميناء السياحي مباشرة (مقر نادي دبي البحري حالياً)، للإعداد لسباق بحري، ولا أنسى عدم اكتفائه بأول سباق لليخوت السريعة المخصصة للنزهة الذي أقيم عام 1985، واهتمامه بتطوير السباق وتوسيعه مستعيناً باللوائح والنظم الدولية، ولا أنسى حرصه في كل عام على إضافة نوع جديد أو أكثر من السباقات البحرية الأخرى، واهتمامه بشكل خاص بالسباقات المرتبطة بالتراث، قوارب الصيد الخشبية، والقوارب الشراعية التي حولها إلى ثلاثة أنواع. كما لا أنسى جهوده المدروسة لدخول نادي دبي دائرة العالمية، وغيرها من الإنجازات العديدة التي تحسب لهذا الرجل. فكيف يمكن له بعد كل هذا أن يترك الرياضة البحرية.
صحيح يا أبو محمد هذا قرار يخصك وحدك، ولكن لا أتصور أنه يمكن أن نوافقك عليه، مهما كانت الأسباب، حتى ولو كان هناك ما يغضبك بعد كل هذه الجهود المخلصة. لقد أصبحت جزءًا أصيلاً من هذه الرياضة، ولا يمكن أن نتخيلها من دونك، خاصة ونحن على يقين من قدرتك على مواصلة هذه المهمة وتحقيق المزيد من النجاحات لها. نتمنى أن تراجع نفسك وتبقى مع من أحبوك من أسرة الرياضات البحرية داخل وخارج الدولة، ولا ننسى هنا أن نهنئ محمد راشد بن شاهين على فوزه الرابع بسباق القفال، وتساويه مع السفينة «براق»، فقد أكدت براعتك في الملاحة البحرية مع «الزير»، والآن تواصل براعتك مع «دلما مارين» بنفس الرقم «16»، فألف مبروك، وندعو لك بالمزيد.