العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مصر في الأولمبياد.. فارس بلا جواد

    الصدفة طفرة، والصدف لا تتكرر، ولا يُفترض في الصدف أن يكون لها قانون حاكم، ولكن تاريخ الرياضة الأولمبية في مصر وضع للصدف قانوناً.

    وهو أن الميداليات المصرية في دورات الألعاب الأولمبية، مجرد صدف تتكرر كل حين، من لاعبين غير مرشحين، وأسماء تكلل اجتهادها الشخصي بالنجاح.

    فجاءوا من حيث لا تعلم الاتحادات واللجنة الأولمبية المصرية إلى منصات التتويج، صنعوا للصدف قانوناً، فطوال تاريخ مصر في الأولمبياد، تأتي النتائج دائماً على عكس المتوقع، ولو طلب من أي مسؤول في أي اتحاد قبل انطلاق الأولمبياد، أن يتوقع أسماء الأبطال المنتظر حصولهم على ميداليات أولمبية، لجاءت الإجابة «لا أعلم»، وكم من أسماء بارزة تاريخياً أخفقت.

    وفي الوقت الذي كانت الجماهير تنتظر منهم ميدالية أولمبية، جاءت نتائجهم مخيبة للآمال، أبرزهم السباحة رانيا علواني والرباعة نهلة رمضان ولاعبة الجودو هبة رشيد ولاعب رمي الرمح إيهاب عبد الرحمن، وقد يكون للرياضة المصرية فرسان .

    ولكنهم لا يعرفون في احيان كثيرة خط النهاية على منصات التتويج ، لضعف الإمكانات والتخطيط، وتكون المحصلة أنهم يفتقدون الجواد الذي يعبر بهم إلى الميداليات، فأصبح ينطبق على المشاركة المصرية أنها «فارس بلا جواد».

    ودائماً المفاجأة تأتي على يد أبطال غير معروفين جماهيرياً، وهو ما يكشف غياب التخطيط لصناعة بطل أولمبي، برغم جهود وزارة الشباب والرياضة المصرية، التي يتولى حقيبتها الدكتور أشرف صبحي، في الاهتمام بصناعة البطل الأولمبي والمتابعة مع كل الاتحادات.

    في النسخة الجارية من الأولمبياد «طوكيو 2020»، حصدت مصر 4 ميداليات برونزية، على يد 4 أبطال، من بينهم واحدة فقط هي المعروفة جماهيرياً وهي لاعبة التايكواندو هداية ملاك التي نالت ميداليتها في منافسات وزن (67 كجم)، في حين تحققت ميداليتين على يد سيف عيسى في التايكواندو في منافسات وزن (80 كجم) ومحمد السيد (كيشو) في المصارعة الرومانية في وزن (67 كجم)، وأخيراً ميدالية جيانا فاروق في الكاراتيه.

    عيسى و«كيشو» لم يكن أي منهما معروفاً لأغلب الجماهير المصرية قبل الأولمبياد، وهو ما حدث أيضاً في النسخة الماضية من الأولمبياد «ريو دي جانيرو 2016»، حيث تحققت ثلاث ميداليات برونزية، اثنان منها في رفع الأثقال عن طريق الرباعين محمد إيهاب وسارة سمير، وواحدة في التايكوندو عن طريق هداية ملاك، وقتها لم يكن أحد منهم معروف جماهيرياً أو إعلامياً.

    في النسخة الحالية أيضاً، حقق منتخب مصر لكرة اليد أكثر من المتوقع، ونجحوا في التأهل للمربع الذهبي، ولا يزال الأمل قائماً في تحقيق ميدالية برونزية، بعد ضياع حلم الذهبية والفضية، بالخسارة أمام منتخب فرنسا في الدور نصف النهائي، وينتظر «فراعنة اليد» ملاقاة منتخب إسبانيا، اليوم، للمنافسة على الميدالية البرونزية.

    ما تحقق في لعبتي كرة اليد والتايكواندو، يؤكد أن هناك تخطيطاً جيداً من الاتحادين الذين يديران اللعبتين، من حيث معسكرات الإعداد وتنظيم مواجهات ودية قوية تتناسب مع قوة المنافسة في دورة الألعاب الأولمبية، وهو ما تفتقده بقية الاتحادات، حتى وإن حقق لاعبوها ميدالية أولمبية، وهو ما كشفه المصارع المصري «كيشو» قبل سفره إلى العاصمة اليابانية «طوكيو».

    وكتب «كيشو» عبر صفحته على «فيسبوك» في شهر أبريل الماضي، قائلاً: «نتيجة الأولمبياد لست مسؤولاً عنها، من اللحظة وكلامي واضح للجميع، لن أُثقل بالحمل وحدي»، وأضاف: «حسبي الله ونعم الوكيل، في كل مسؤول مقصر في مستقبلي الرياضي».

    التعليق الذي كتبه اللاعب كشف أنه مثله مثل الكثيرين من أبطال اللعبات الفردية، التي يطلق عليها في مصر «اللعبات الشهيدة»، يعاني من إهمال جسيم من المسؤولين، حيث لا توجد معسكرات إعداد وملاعب تدريب ولا حتى ملابس، فضلاً عن أن حجم النفقات التي يتم إنفاقها على هؤلاء الأبطال لا تتناسب مع الهدف المرجو وهو الوقوف على منصة التتويج الأولمبية.

    معاناة

    المعاناة نفسها تحدث عنها البطلان سارة سمير ومحمد إيهاب، ومنذ تحقيق كل منهما ميدالية برونزية في أولمبياد «ريو»، لم يهتم أحد بإعدادهما للنسخة المقبلة، حتى أن سارة سمير كانت بطلة واقعة شهيرة جداً، حيث إنها رسبت في اختبارات المرحلة الثانوية لتغيبها عن حضور الامتحانات بسبب تواجدها في البرازيل، وهو ما تسبب في ابتعاد اللاعبة تماماً عن المشهد، وكتبت عبر صفحتها على «فيسبوك»: «سأعتزل لعبة رفع الأثقال، لم أجد من يقف بجواري في أزمتي».

    سارة وإيهاب ومثلهما الكثيرين من لاعبي رفع الأثقال ضحية إهمال اتحاد اللعبة، الذي ورط أبناءه في قضية تعاطي المنشطات، وهو ما ترتب عليه حرمان لاعبي مصر من التواجد في أولمبياد «طوكيو»، وضياع ميدالية أولمبية مضمونة، وعبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» علقت سارة سمير على غيابها عن الأولمبياد وقالت:

    «هذا هو جدول البطولة اليوم.. مجموع حصول الذهبية 263 كجم.. مجموعي يتخطى 265 كجم». وأضافت: «لو كنت موجودة لفرحتكم وكانت الميدالية الذهبية من حقي.. لكن قدر الله وما شاء فعل.. الحمد لله على كل حال».

    المشهد نفسه تكرر في عام 2004، حين أخفقت الرباعة نهلة رمضان في تحقيق ميدالية في أولمبياد «أثينا»، على الرغم من أن الجمهور المصري كان يتوقع لها التتويج، وقتها كشفت «نهلة» أنها عانت بعد الأولمبياد من حالة إحباط وأنها عندما عادت إلى مطار القاهرة لم تجد في استقبالها سوى والدها.

    وبعد الحملة الصحافية التي شنت ضدها، اتخذت قرار الابتعاد عن ممارسة رفع الأثقال لفترة لا تقل عن عامين لتتخلص من الآثار النفسية التي خلفها إخفاق أولمبياد أثينا.

    لكن الإهمال لا يقتصر على التجهيز للمنافسة في الأولمبياد، بل إنه للأسف، يطول من تمكنوا من حصد ميدالية أولمبية، وبخلاف المعاناة التي عاشها ثنائي رفع الأثقال «سارة سمير ومحمد إيهاب»، عاش المصارع كرم جابر الإهمال نفسه عقب تحقيقه ميدالية ذهبية لمصر في أولمبياد أثينا، بعد انقطاع المصارعة عن الميداليات الذهبية منذ عام 1948 حين حصد الرباع إبراهيم شمس ذهبية رفع الأثقال للوزن الخفيف، كما حقق جابر الميدالية الفضية في أولمبياد «لندن 2012».

    وبعد أن كان اللاعب ملء السمع والأبصار، لم يعرف الإعلام طريقه إلى جابر، الذي سافر إلى أمريكا بحثاً عن الاهتمام والمال الذي يكفي نفقاته الشخصية، وخاض تجربة أخرى في رياضة «السومو»، ثم خاض تجربة التمثيل في مصر، والحال نفسه بالنسبة لزميله في منتخب المصارعة محمد عبد الفتاح (بوجي).

    كل هذه العقبات تكشف أن أغلب أبطال اللعبات الفردية في مصر يعتمدون على مجهودهم الفردي بنسبة كبيرة في تحقيق الإنجاز الأولمبي، ويتحملون من الصعاب ما لا يطاق من أجل الوصول إلى هذا الحلم، أي أن كلاً منهم «فارس» لكن بلا جواد، فارس يفتقد المنظومة التي تتيح له التخطيط والرعاية الجيدة التي تليق باسم بلاده.

    طباعة Email