نتواصل للعام الثالث على التوالي ونتناول هذا العمل التوثيقي الوطني.. واليوم نبدأ رحلة جديدة من عالم أيام زمان عبر صفحات «البيان» طوال الشهر الكريم أعاده الله علينا باليمن والخير والبركات بعد أن حققت التجربة نجاحاً كبيراً لأنه يخلد تجربة هامة من مسيرة الرياضة الإماراتية وكرة القدم على وجه الخصوص.

ونقول انه عندما تتحول الذكريات الرياضية إلى سطور وصور مضيئة فهي تؤكد أننا نؤمن بأن هناك ما زال للوفاء بقية وما زال الرابط قوياً بين الماضي والحاضر ولهذا كانت هي أهم الدوافع التي دفعتني لتبني هذا المشروع الوطني القيم والذي وجد صدىً طيباً من العديد من المؤسسات الوطنية الرسمية والأهلية بالدولة.

وتقديراً منا كصحافة التي تعتبر المرآة الحقيقية لأي مجتمع وللدور الذي لعبه الأوائل من الرياضيين من أبناء الوطن واعتزازاً منا لما قدموه في سبيل النهوض بالرياضة والرياضيين، حتى ما وصلنا إليه اليوم من عطاء مادي ومعنوي لهؤلاء على سنوات عشقهم وولائهم للأخذ بيد اللبنة الأولى التي نعتبرها الأساس وبداية الانطلاقة.

واعتبارا من اليوم سنخصص هذه المساحة للعودة إلى الوراء لتقديم ما توصلنا إليه من جهد ومعلومات وحوارات ميدانية وأي شيء عن هؤلاء الرياضيين، نذكر الجيل الجديد بهم ولنذكرهم بذكرياتهم العزيزة على قلوبهم. وكما عودناكم دائما على الاهتمام بالقدامى، لتكون مادة صحافية خفيفة عليكم ومقبولة تستمتعون بها طوال الشهر الكريم تجاه رجال مخلصين سنظل نذكرهم بالتقدير والعرفان.

اليوم نتوقف مع شاوارش أوهانس بغدونيان الذي يعد من أوائل الإخوة العرب الذين قاموا بالتصوير الفوتوغرافي وبالأخص الرياضي. فقد صور الجوهرة السوداء بيليه عام 1973 عندما لعب الأزرق أمام سانتوس البرازيلي في دبي وفاز البرازيليون بالطبع 1/4 وحاول أن يتصور معهم حيث لم يتمكن وفي عام 83 زار بيليه دبي ثانية وبمقر نادي الوصل ذهب إليه وحكى له الحكاية حتى وافق بيليه على أن يتصور مع شاوار شأنها حكاية جميلة.

فهو إنسان محمل بالعطاء والحب والغيرة، قبل أن يكون مصوراً فوتوغرافياً وموسيقيا بدأ رحلته في الحياة من حلب، ليستقر في دمشق عاصمة سوريا عام 1951 حينما كان في الثامنة عشرة من عمره ليبدأ رحلته مع التصوير الفوتوغرافي والموسيقى، ليغادر بعدها في أوائل السبعينات إلى الشارقة ويستقر فيها حتى يومنا هذا.

وتلك القصة لها حكاية جميلة فعلاقته بالكرة الإماراتية بدأت عندما أقام فريق الخليج بالشارقة معسكرة الكروي في دمشق ذهب ليقوم بعمله التصويري وقام بتغطية زيارة نادي الخليج والذي بعد عودته اندمج مع العروبة وأصبح الشارقة الحالي فقد اعجب بكلمات لاعبي الفريق .

وهم يرددون أغنية الفنان الكويتي الشهير عبدالكريم عبد القادر سرى ليلي يا قمرنا فهي الأغنية التي اشتهرت وضربت السوق لما لها من لحن جميل فقد راح يغني ويبحث عن سر جمال ولحن الكلمة فلم يفارق اللاعبين طوال الرحلة عام 70، وعندما غادر فريق الخليج دمشق إلى بيروت للعب هناك سافر معهم بالباص وظل يرافقهم حتى انتهت الرحلة وقرر بعدها أن يغادر إلى الإمارات وبالفعل وصل مع الفريق ومن هنا بدأت الحكاية الجميلة.

فقد عاصر الفنان المخضرم شاوارش العديد من الأحداث والوقائع التاريخية سواء في الإمارات، وساهم في تأسيس وتوثيق العديد من الأحداث التاريخية على صعيد الصورة والموسيقى، مدفوعا بحبه للفن دون انتظار مقابل أو حسابات. فعلى سبيل المثال، أسس أول جمعية للموسيقيين وأول فرقة موسيقية في دمشق عام 1962، كما تعاون مع دار إذاعة الشارقة أول تأسيسها عام 1973، وساهم في تنظيم حفل افتتاح لها، وهو أول من غنى في تلفزيون دبي لدى تأسيسه عام 1974 من خلال برنامج مسابقات «سين جيم» للإعلامي الراحل شريف العلمي، إلى جانب رعايته للفنانين والموسيقيين طيلة مسيرة حياته.

في بيته المتواضع بحي الغافية في الشارقة، حوله إلى متحف رياضي أهمية تاريخ حياته الفنية لإحياء ومضات من ماض كان له فيه دور فعال، وللتعرف على شخصية شاوارش التي ما إن يتم ذكر تاريخ التصوير في الإمارات، حتى يرد اسمه على لسان الرواد الأوائل الذين باتوا من أصحاب المناصب والريادة في يومنا هذا، وبالطبع كانت الفترة الرياضية جزءاً مهماً في مسيرته وأصبح مصورا بارعا يحمل الذكرى الجميلة لتلك الفترة الذهبية من بدايات الكرة بالدولة ومن هنا حرصنا بأن نقدمه للقارئ لكي يتعرف على جهود هؤلاء الأوفياء فقد جاء من حلب إلى دمشق عام 1951 وكان عمره حينها 18 سنة.

عمل كمصور لدى العديد من استوديوهات التصوير مثل استوديو مسمار وأديب وغيرهما. زاره عام 1955 شقيق البطل عدنان المالكي بعد يوم من اغتياله في الملعب البلدي بدمشق بتاريخ 22 أبريل 1955، خلال حضوره لمباراة كرة القدم، كان يرعاها بين منتخبي سوريا ومصر. طلب مني شقيقه المحامي رياض المالكي مساعدته نظرا لعدم توفر صورة للشهيد بزيه الرسمي وكان حينها معاون رئيس الأركان العامة، في عهد رئاسة هاشم الأتاسي.

وينتقل بعد ذلك إلى عالم الموسيقى الذي كان يمارسه كهواية إلى جانب عمله في التصوير وقال، «أسست عام 1962 أول جمعية للموسيقى وحملت اسم «جمعية أضواء دمشق»، وكنا نشاهده في برنامج سين جيم الشهير أيام شريف العلمي حيث رفضه في البداية وبعد أن استمع إليه أعجب به وقرر أن يكون دائماً معه في كل الحلقات، يقول شاوارش إنه كان يكسب رزقه من عمله في التصوير. وكان أول من استخدم الورق اللماع في الصور في استوديو أديب في الجسر الأبيض وكانت خامة جديدة مبهرة إضافة إلى مهارتي في التصوير. وهكذا تهافت الجميع على الاستوديو لتصويرهم ومن ضمنهم كبار الممثلين والمطربين آنذاك.

وجعلت من بيته مقرا للرياضيين والذين مدهم بالعشرات من الصور الرياضية التاريخية دون مقابل لحبه وإيمانه العميق بأهمية الصورة والتذكار. ويضيف عن قصة انتقاله إلى الشارقة ويقول: رافقت عام 1970 فريق كرة قدم من الشارقة خلال مبارياتهم لتصويرهم.

وخلال سفرنا بالباص إلى بيروت كان اللاعبون يغنون وفي الخلف كان أحدهم ينقر الدف بإيقاعات غير مألوفة في الشام. ونظراً لحبي الشديد لفولكلور الشعوب، تولد لدي اهتمام كبير بالموسيقى. وهنا عاد إلى دوره كمصور وتابع: في لبنان التقينا بفريق آخر النصر ومن ضمن اللاعبين فيه كان الشاب سلطان الحبتور رجل الأعمال الحالي والذي كان ضمن فريق النصر خلال معسكره في بيروت.

وعندما وصلت إلى الشارقة في بداية عام 1970، وبمساعدة زوج أختي المقاول افتتحت أول استوديو تصوير في شارع العروبة باسمي. لم يكن في الشارقة حينها سوى ذاك الشارع وفيه ثلاثة محلات فقط هي «جاشنمال» و«سبينس» و«كوسموس».

كانت المدينة خالية من الناس وكان على لجلب الزبائن، الذهاب إلى ملاعب الكرة التي كانت مساحات رملية وكان المتفرجون حينها يشاهدون المباريات من خلف السور الشائك الذي يحيط بالملعب، وكانوا يجلسون على مرتفعات رملية. كان اللاعبون يأتون من المباراة إلى الاستوديو لشراء صورهم. وكانت الحياة بسيطة واللاعبون طيبون جميعهم يحبون الكرة ويضحون من أجلها.

و قال لقد منحني صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة عام 1977 أرضا، فلم أتردد في تعميرها والاستقرار مع عائلتي؛ وبذا أصبحت الإمارات مقر استقراري ووطني الثاني. لدي الكثير ومجموعة كبيرة من الألبومات التي توثق جزءا من تاريخ رياضة الإمارات والإذاعة في السبعينات والثمانينات».

فشاوارش من أوائل المصورين للأحداث الرياضية والثقافية والاجتماعية في الإمارات، والتقط بعدسته صورا تاريخية نادرة خاصة على صعيد الرياضة. وهو ينتمي إلى أسرة تتمتع بالموهبة ذاتها، فشقيقه المرحوم غربيس الذي عمل مع «البيان» كان أيضاً مصورا بارعاً ومبدعاً. ألبومات شاوارش وما التقطته عدسته بمثابة كنز من تاريخ الوطن خاصة على صعيد الرياضة. وهو إنسان يتصف باللهفة والكرم ورفعة الأخلاق ويتمتع بحنجرة ذهبية في الغناء إلى جانب موهبته في التلحين.