شخصية وقضية

خالد المدفع: رياضة الإمارات «عليلة» !

عديدة هي المعالجات التي اجتهد أصحابها بحثاً عن حلول ناجعة لإشكالات الرياضة الإماراتية بغالبية ألعابها، ومن بين أولئك «المجتهدين»، يبرز خالد المدفع، الأمين العام المساعد للهيئة العامة للرياضة، ليس لأنه الأعلى صوتاً، وهو ليس كذلك، ولا لأنه الأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام، وهو شبه الزاهد بذلك، المدفع برز بتقديمه معالجة ليست «لفظية»، قدم بحثاً علمياً نال به درجة الماجستير بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف قبل أسابيع قليلة، بحث وضع من خلاله حلولاً يرى خلاصتها أو «زبدتها»، تتلخص في أن «رياضة الإمارات عليلة، نعم «عليلة»، وأن العلة جلها، إن لم تكن كلها، تكمن في «دلال» فاق حدود التحمل لكرة القدم»!

فإلى حوار «البيان الرياضي» مع خالد المدفع:

مبارك عليك «الماجستير»، ما الذي دعاك لتقديم بحثك؟

الله «يبارك فيك»، كثيرة هي الأسباب التي دعتني لتقديم بحثي المعنون بـ «أثر استشراف المستقبل وتطبيق الحوكمة على تطوير أداء المؤسسات الرياضية في الإمارات لتحقيق الإنجازات الأولمبية»، لعل أهم تلك الأسباب، مصلحة رياضتنا، أمنيتنا جميعا، أن نرى رياضة دولتنا الغالية مصدرا لإسعاد شعبنا وقيادتنا الرشيدة بالوقوف على منصات التتويج.

وما خلاصة بحثك؟

البحث مطول، وفيه الكثير من الأبواب، لكن خلاصته تكمن في إظهار الأهمية القصوى لتطبيق مفهومي «استشراف المستقبل»، و«الحوكمة» على واقعنا الرياضي.

ما الجديد لديك، سمعنا الكثير عن استشراف المستقبل و«الحوكمة»؟

صحيح، سمعنا من قبل كثيراً بالمفهومين، لكن لم يقدم أحد كيفية تطبيقهما بصورة عملية وعلمية في واقعنا الرياضي.

اكتشاف الذرة

يعني تريد أن تشير من خلال بحثك، إلى أنك الوحيد الذي «اكتشف الوصفة السحرية» لكيفية تطبيق المفهومين، أليس هذا ما تعنيه؟

لا، ليس بهذا «الشكل»، أنا لم أكتشف «الذرة» في بحثي، لكن أزعم بأني أقدم للوسط الرياضي عموماً، الآليات التي تكفل تطبيقاً سليماً للمفهومين.

وماذا في بحثك غير «استشراف المستقبل» و«الحوكمة»؟

توصلت من خلال البحث، إلى أن رياضتنا «عليلة»!

حسب بحثك، منذ متى رياضة الإمارات «عليلة»؟

باختصار، إنها الآن «عليلة»، وهذا شيء مؤلم ومؤسف، في الوقت الذي تشهد فيه دولتنا، قفزات هائلة تثلج الصدور في غالبية جوانب الحياة، وتتصدر مؤشرات التقييم العالمي في العديد من القطاعات، إلا في الرياضة!

تعبير صادم

«عليلة»، تعبير صادم من مسؤول يتبوأ منصباً رياضياً مهماً، ألا ترى ذلك؟

نعم، أرى أن رياضتنا «عليلة» في غالبية الألعاب، وذلك ما توصلت إليه من خلال البحث، وهذا لا يتعارض أبداً مع كوني أشغل منصباً رياضياً مهماً في الجهة الحكومية الاتحادية القائدة للحركة الرياضية بالدولة.

هل من توضيح أكثر في ما تعنيه بأن رياضة الإمارات «عليلة»؟

كلامي واضح من خلال البحث، رياضتنا تعاني، ومنذ عقود، من إشكالات عديدة وكبيرة في آن واحد، نجاهر بتطبيق الاحتراف، ونحن في الحقيقة ما زلنا هواة في أهم حلقة من حلقات العمل الاحترافي، وأعني به، الإدارة الرياضية، لدينا إشكالات في المنشآت الرياضية، خصوصاً على صعيد الألعاب الأخرى، لدينا إشكالية في ندرة المواهب، ومدى مطابقتها لمواصفات اللاعب الأولمبي الذي نتطلع إليه، لدينا إشكالية كبرى مصدرها كرة القدم، وحجم تغولها على الألعاب الأخرى، وغيرها من الإشكالات الرياضية المعروفة!

لماذا لم تذكر المال باعتباره إشكالية كبرى في «منظومة» إشكالات الرياضة الإماراتية؟

دعني أختلف معك في هذه الجزئية، نعم، المال مهم جداً ومحوري لتحقيق الإنجازات والارتقاء بالمستوى الرياضي عموماً، ولكنه ليس الإشكالية الأكبر كما يراها الكثيرون، الدولة لم «تقصر» في دعم الرياضة أبداً، والقيادة الحكيمة أياديها بيضاء وممدودة دائماً بالدعم السخي لكل الرياضيين في الدولة، ولهذا، لا يمكن اعتبار المال هو أساس إشكالية رياضتنا وسبب كونها «عليلة».

هذه اللعبة

إذن، أين تكمن «علة» رياضة الإمارات؟

«علة» رياضة الإمارات تكمن تحديداً في كرة القدم «هذه اللعبة» هي السبب الأول والأكبر، لكون رياضتنا «عليلة»، «دلال» كرة القدم فاق التحمل، وتعدى حدود التصور، رواتب خيالية، صرف فلكي، اهتمام إعلامي غير مسبوق، تسابق جماهيري لم نشهد له مثيلاً في أي ميدان رياضي آخر، في مقابل «نتائج دون مستوى الطموح »!

ألا ترى أنك «متحامل» بوضع علة الرياضة الإماراتية برقبة كرة القدم؟

أبداً، لست متحاملاً، هذا الواقع الرياضي الذي نعيشه، كرة القدم في غالبية أنديتنا، ونتيجة الصرف الفلكي على متطلباتها التي لا تنتهي، جعلت الألعاب الأخرى ليست شهيدة فحسب، بل «يتيمة»، ووضعتها على حافة الخطر الحقيقي، حالياً غالبية الألعاب، خصوصاً الجماعية، تعيش وضعاً صعباً من كل النواحي، إدارات الأندية تكاد أن تدير ظهرها لتلك الألعاب بطريقة محزنة، حتى الإعلام الرياضي، غالبية صفحاته وبرامجه مخصصة للحديث عن كرة القدم، اللعبة التي لم نجنِ منها شيئاً، على الأقل في السنوات الخمس الأخيرة، على صعيد الأندية!

بصراحة، هل تقدم في بحثك، معالجات مختلفة لـ «منظومة» إشكالات الرياضة الإماراتية؟

أعتقد ذلك، الجميع - وأنا منهم «ملينا» - من المعالجات «اللفظية»، نسمع الكثير من الأطروحات من خلال أشخاص أُكِنّ لهم كل تقدير واحترام، لكن لم نسمع معالجات عملية تستهدف إيجاد الحلول الناجعة لإشكالات رياضتنا.

نعم صحيح

تناولت في بحثك بإسهاب، مفهوم «الحوكمة»، إلى ماذا تريد أن تصل؟

نعم، هذا صحيح، لقناعتي بأن «الحوكمة» هي السبيل الأفضل لبلوغ النجاح المنشود، طبعاً إلى جانب تطبيق «استشراف المستقبل».

هل تعني أن تطبيق «الحوكمة» يوصل رياضة الإمارات إلى منصات التتويج؟

بالضبط، مقتنع تماما بأن تطبيق «الحوكمة» الرشيدة سيهيئ البيئة المثالية لمؤسساتنا الرياضية لاستشراف المستقبل، وبالتالي بلوغ رياضتنا النجاح المنشود.

ماذا عما جاء في بحثك عن «استشراف المستقبل»؟

أعتقد أن «الاستشراف» يمثل بوابة كبرى نحو المستقبل الباهر وتحقيق الإنجازات الرياضية، نحن بحاجة ماسة إلى تطبيق عملي وعلمي لمفهومي «الحوكمة» واستشراف المستقبل»، ولا أدل على ذلك من الاستشهاد بمقولة رائعة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله: «نحن لا نتوقع المستقبل، بل نحن نصنع المستقبل، لأن المستقبل لا يأتي إلينا، بل نحن من نستشرفه ونشكّله ونمسك زمام المبادرة في ابتكار تقنياته وتوظيفها».

تفسير أعمق

رغم إجاباتك الواضحة، إلا أنني ما زلت أبحث عن تفسير أعمق حول تأثير تطبيق «استشراف المستقبل» و«الحوكمة» على رياضة الإمارات، فهل من مزيد؟

بكل سرور، استشراف مستقبل الرياضة الإماراتية، وتطبيق مبادئ «الحوكمة» في المؤسسات الرياضية بالدولة، مفهومان فرضا نفسيهما بقوة في البحث والدراسة ثم التطبيق، العالم يمر بحزمة من المتغيرات المفاجئة والسريعة التي تستدعي التخطيط الاستراتيجي المحكم، ولهذا، يبرز تأثير التطبيق الحقيقي للمفهومين في رياضتنا، خصوصاً وأن التخطيط الناجح لمستقبل أي مؤسسة، يعتمد على توافر مقومات أساسية وضرورية، تتمثل في الفهم الشامل لاستشراف المستقبل وتحديّاته، والتدريب على أدواته، ومناهج استشرافه لتكوين رؤى مستقبلية ثاقبة.

ماذا تتطلب هذه القناعة من أجل التطبيق السليم للمفهومين؟

أعتقد أن المتغيرات العالمية في المجال الرياضي، تتطلب من القائمين على مؤسساتنا الرياضية، العمل على إرساء مبادئ «الحوكمة» الرشيدة، التي تعد من أهم أدوات «استشراف المستقبل»، لا سيما بعد الثورة المعلوماتية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي تنقل الحدث بالصوت والصورة في التو واللحظة.

محطات

أبدى خالد المدفع، فخره بمحطات مسيرته الرياضية الحافلة التي بدأت تدرجا بالعمل في الأندية واللجان الرياضية المختلفة، ومن ثم الاتحادات الرياضية، قبل أن يتبوأ منصب الأمين العام المساعد في الهيئة العامة منذ عدة أعوام، لافتا إلى أن تعدد وتنوع محطاته الرياضية، اكسبه الكثير من المعرفة التي تكاد تكون دقيقة بمجمل تفاصيل المشهد الرياضي في الإمارات.

02

شدد خالد المدفع، على أنه مطّلع بصورة شاملة على سير العمل في المؤسسات الرياضية، ويرى أنه ما زالت الرياضة الإماراتية متأخرة على المستوى الأولمبي، بناءً على التحديث الأخير للأجندة الوطنية التي أصدرها مجلس الوزراء، التي أشارت إلى أن الإمارات حصدت 21 ميدالية أولمبية حتى نهاية 2016، منها 19 ميدالية بارالمبية، وميداليتان للأسوياء، وهما: ذهبية الشيخ أحمد بن حشر آل مكتوم في الرماية بأولمبياد أثينا في 2004، وبرونزية سيرجيو توما في الجودو بأولمبياد ريودي جانيرو 2016، ما يوضح مستوى المشاركات الأولمبية للدولة منذ أول ظهور لها في عام 1984، منوهاً بأن ذلك يشير، وبوضوح، إلى أن قلة عدد الميداليات الأولمبية، يؤكد عدة أمور جوهرية، أهمها عدم وجود التخطيط السليم المتمثل بـ «أين ومتى وكيف»!

03

لفت خالد المدفع إلى أنه حاول بجد خلال البحث، أن يتحقق من ثلاث فرضيات، الأولى: تتمثل بتوقع وجود علاقة بين أسلوب الأداء المؤسسي في المؤسسات الرياضية بالدولة، وقدرة تلك المؤسسات على تحقيق إنجازات رياضية أولمبية، والثانية: تتلخص في مدى أن يلعب نظام «الحوكمة» دوراً مؤثراً لتحقيق الإنجازات، والثالثة: تتعلق بمدى تأثير تطبيق «استشراف المستقبل» في المؤسسات الرياضية على تحقيق الإنجازات.

04

نوه خالد المدفع بأن الإعلام الرياضي يحتل موقعاً مميزاً في منظومة الرياضة الإماراتية، مشدداً على أنه لم يغفل تلك الأهمية في بحثه الأخير، من خلال التركيز على 4 محاور، تتمثل في حتمية استقطاب الإعلاميين المتخصصين في مختلف الرياضات، للمساهمة في تطوير القطاع الرياضي، والتعاطي مع الأحداث الرياضية المختلفة بالمنطق والواقعية والمهنية والموضوعية والحيادية، وضرورة تغطية الإعلام الرياضي بمختلف مسمياته، أنشطة الرياضات النسائية وأصحاب الهمم، بذات الهمة في تغطيته لكرة القدم، وتغطية فعاليات الألعاب الرياضية الأخرى بشكل كافٍ، لا سيما الأولمبية منها، لما لتلك التغطيات من أثر إيجابي على لاعبي تلك الألعاب، الذين غالباً ما يشعرون بالفوارق الكبيرة في كل شيء مع أقرانهم من لاعبي كرة القدم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات