شعرت كما لو أنه مشدود إلى الماضي بحبال لا تنقطع، يحن إلى أيام الهواة، يشيد بها، يفضلها على حاضر المحترفين، يفخر بأنه آخر رئيس منتخب لمجلس إدارة نادي الإمارات في مطلع تسعينيات القرن الماضي، العميد حسن إبراهيم العيسى، يفجر عبر «البيان الرياضي» مفاجأة من العيار الثقيل بقوله: أنجزنا أنا ومجموعة مختارة من القيادات الرياضية في رأس الخيمة، مسودة النظام الأساسي لإنشاء مجلس رأس الخيمة الرياضي.
فإلى حوار «البيان الرياضي» مع القطب الرياضي المعروف العميد حسن إبراهيم العيسى:

«سالفة» التراخيص
كيف ترى المشهد الكروي الإماراتي الحالي؟
بكل تأكيد، أنه لا يسر، تصور أن خيرة أندية الدولة لا تحصل على التراخيص الآسيوية التي أعتبرها مهزلة كون «السالفة» جاءت بعد 10 مواسم احتراف، ماذا يعني هذا، سوى أن احترافنا ليس أكثر من عمل على الحجر دون الارتقاء بالبشر، نحن أقمنا منشآت رياضية وملاعب فخمة، لكن دون أن نطور الكوادر بكل أشكالها ومسمياتها المعروفة وفقاً لمتطلبات الاحتراف الحقيقي.
وما هي النتيجة لكل ذلك وغيره؟
بسرعة، النتيجة واضحة، كرتنا تتراجع بشكل صارخ على صعيد الأندية والمنتخبات الوطنية، المنتخب الوطني بدد حلم التأهل الثاني لكأس العالم، واكتفينا بالحلم الأول، الذي تحقق في أيام الهواة، ومستوى أنديتنا «متراجع»، بطولاتنا لا تسر، وليس فيها مستوى حقيقي لكرة القدم المعروفة، أجانب فرقنا عاديون جداً إلا ما ندر، لاعبونا المواطنون غير ملتزمين بأبسط مقومات الاحتراف، إدارات أنديتنا ليس لديها سيطرة على الوضع، خصوصاً ما يتعلق باللاعبين وحتمية التزامهم بمقومات الاحتراف!
إلى ماذا تستند بتقديم هذه الصورة السوداوية للواقع الكروي الإماراتي؟
هذا واقع حقيقي نعيشه، منتخبنا لم يتأهل، أنديتنا متراجعة، دورينا هابط، ألا يكفي هذا لنقول إن وضعنا الكروي ليس ساراً، بل كارثيا؟!
ليس كافياً
ألا يكفي احتلال دوري الإمارات قمة ترتيب الدوريات الآسيوية؟
لا، ليس كافياً، لأن صدارة دورينا لدوريات القارة الآسيوية ليس أكثر من خدعة، لأنه ليس فنياً، بل هو تقييم قائم على معطيات أخرى، منها المنشآت والتسويق والمشاركة الخارجية وغيرها من المتطلبات التي لا علاقة لها بالمستوى الفني.
لماذا لم ينضج الاحتراف الإماراتي بعد مرور 10 سنوات من التطبيق؟
باختصار، لأننا طبقنا الاحتراف «مستعجلين ومضطرين» من أجل إرضاء الاتحاد الآسيوي، فكان دخولنا عالم الاحتراف أشبه بحمامة أرادت تقليد «مشية» الغراب فأضاعت «المشيتين»، فجاءت النتائج الكارثية التي نعيشها الآن، ومنها عدم حصول أبرز أنديتنا على التراخيص الآسيوية، وهذا مؤشر خطر ويكشف حجم المأساة التي تعيشها كرة القدم الإماراتية حالياً، لأن عدم الحصول على التراخيص شيء معيب بحقنا جميعاً، وكارثي ومهزلة كروية كبرى.
ولكن أندية الإمارات حصلت على التراخيص في نهاية المطاف، ماذا تريد أكثر من هذا؟
الحصول على التراخيص الآسيوية بعد حين، أعتبره عملية ترقيع مكشوفة، لأنها جاءت بعد «انكشاف» الفضيحة، أنا كوني رياضياً ليس مهماً عندي الحصول على التراخيص بقدر ما إن الأهم لديّ هو لماذا لم تحصل أنديتنا على التراخيص أصلاً بعد 10 مواسم احتراف؟!
الزمن الجميل
ما الفوارق بين أيام الهواة والمحترفين؟
الفوارق كثيرة، وأغلبها يصب في مصلحة الهواة، ففي ذلك الزمن الجميل، تأهلنا إلى كأس العالم في إيطاليا 1990، وفي أيام الهواة، كوادرنا الإدارية والتحكيمية أفضل، وكل حلقات اللعبة، «كانت» أحسن وأكثر دراية بالعمل الكروي، أما اليوم، فنعيش تخبطاً باسم الاحتراف، صرف خيالي، عدم انضباط لاعبينا المحليين، تدني أداء غالبية محترفينا الأجانب، إهدار حلم التأهل للمونديال بطريقة مؤلمة جداً، أنديتنا تتراجع، دورينا هابط فنياً.
كيف تنظر إلى مستويات الصرف خصوصاً ما يتعلق بعقود اللاعبين المحليين؟
لا شك في أنها خيالية، وهي نتيجة طبيعية لعدم الالتزام الدقيق بالمعايير العالمية في مجال إبرام العقود، ودليل على أن احترافنا ما زال في «خانة» الوهم.
وكم عدد اللاعبين المحليين الذين يستحقون المبالغ الحالية؟
بسرعة، لا أرى لاعباً محلياً واحداً يستحق مثل هذه المبالغ الخيالية، بدليل عدم وجود أي من لاعبينا محترفاً في أقل الدوريات الأوروبية وليس أكبرها، لأن لاعبينا يفتقدون إلى أبسط مقومات الاحتراف الأوروبي، خصوصاً ما يتعلق بالالتزام بمتطلبات الاحتراف، والبنية الجسمانية وأسلوب التفكير وغيرها من المتطلبات الضرورية جداً.
المجلس الحالي
هل تُحمل اتحاد كرة القدم بمجلسه الحالي مسؤولية ما تراه تراجعاً في الكرة الإماراتية حالياً؟
نعم، اتحاد كرة القدم يتحمل المسؤولية، ولكن ليس مجلسه الحالي فقط، مجالس الاتحاد الثلاثة في الدورات الأخيرة كلها تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية تراجع الكرة الإماراتية، إلى جانب إدارات الأندية وكل الحلقات المعنية بشؤون كرة القدم في الدولة.
كيف ترى حظوظ منتخب الإمارات في كأس آسيا 2019؟
حظوظ منتخبنا قائمة في المنافسة على اللقب القاري، ولكن بشرط أن يكون هناك عمل حقيقي في إعداد المنتخب بالصورة التي تمكنه من إحراز اللقب الآسيوي لأول مرة في تاريخنا.
وهل ترى التعاقد مع الإيطالي زاكيروني مدخلاً جيداً لفوز منتخب الإمارات بكأس آسيا 2019؟
بصورة عامة، المدرسة الأوروبية لن تنفع كرة الإمارات عموماً والأبيض خصوصا، نحن أقرب إلى المدرسة البرازيلية تحديداً، المدربون الأوروبيون يعملون على «الجاهز»، على العكس من البرازيليين الذي يجيدون فن بناء منتخبات وفرق المستقبل.
«الخلطة» السحرية
ما هي برأيك مواصفات قادة المستقبل لكرة القدم الإماراتية؟
لا بد من العودة إلى «الخلطة» السحرية المتمثلة بالمزج الحقيقي بين القيادات الخبيرة، والكفاءات الشابة ذات الفكر المتميز، علينا إنهاء أسلوب الإحلال القسري على الصعيد الإداري، ولا مفر من تطبيق الانتقال السلس والتدريجي من جيل إلى آخر.
كيف ترى نظام الدوري حالياً؟
الأندية عانت كثيراً من عدم ثبات نظام محدد للدوري، مرة يقام بـ 14 فريقاً، وثانية بـ 12، وثالثة يحسم هبوطه بدورة رباعية ما أنزلت بها قواميس كرة القدم من سلطان، على المعنيين بالبطولة وضع نظام ثابت بعد دراسة كل الخيارات والاحتمالات مع الأندية والخبراء والجهات المعنية ذات العلاقة بكرة القدم الإماراتية.
ومَن ترشح لخطف درع الدوري؟
أرشح الوحدة والوصل حسب المستوى الفني بعد مضي 7 جولات من البطولة.
ما الذي يشغلك الآن رياضياً؟
أهم ما يشغلني الآن، هو إنشاء مجلس رأس الخيمة الرياضي، ومن أجل هذا الهدف الكبير، أنجزنا أنا ومجموعة من القيادات المميزة، مسودة النظام الأساسي لإنشاء المجلس، لإدراكنا بأن رأس الخيمة بحاجة ماسة إلى مجلس رياضي لمواجهة وحل المشاكل الجمة التي تعانيها الرياضة في الإمارة، خصوصاً ما يتعلق بالتراجع الخطير في مستويات فرق أندية رأس الخيمة، بدليل أن لدينا 6 فرق، واحد منها فقط في دوري المحترفين، وواحد في دوري الأولى، والاثنان وضعهما بائس في كلتا البطولتين، إضافة إلى معاناتنا من ندرة المواهب وغياب دور الرياضة المدرسية، وفرق المراحل العمرية، ما يتطلب نهضة كروية يقودها مجلس رياضي فاعل بمشاركة الكوادر والقيادات الرياضية في الإمارة ووفقاً لإمكانات وظروف رأس الخيمة.

مسؤولية هاشيك
حمل العميد حسن إبراهيم العيسى الرئيس الأسبق لمجلس إدارة نادي الإمارات برأس الخيمة، التشيكي إيفان هاشيك المدرب السابق لفريق الإمارات الأول لكرة القدم، مسؤولية التراجع الخطير في أداء ونتائج الصقور، لافتاً إلى أن غالبية لاعبي الفريق الأخضر لا يعرفون كيفية الوقوف في الملعب لأداء واجباتهم المحددة، ممتدحاً جهود إدارة النادي في تعاقداتها مع اللاعبين المحليين تحديدا، معتبراً تغيير المدرب حلاً لا بد منه بعد ظهور الصقور بصورة باهتة، مفضلاً التعاقد مع مدرب برازيلي، منوهاً إلى أن مستوى فريق الإمارات الحالي ليس مستوى دوري محترفين، مشيراً إلى أن الصقور بحاجة إلى "تضبيط" فني حقيقي للقضاء على "توهان" لاعبيه، لافتاً إلى أنه يشعر بالقلق على مصير الصقور في الدوري، داعياً إلى عدم الالتفات إلى "زوبعة" الهبوط غير المباشر، وعدم ربط مصير الصقور بالدورة الرباعية.

خارطة طريق
دعا العميد حسن إبراهيم العيسى الرئيس الأسبق لمجلس إدارة نادي الإمارات برأس الخيمة، إلى وضع خريطة طريق حقيقية لمعالجة المعضلات التي تعانيها كرة القدم الإماراتية، مقترحاً عقد مؤتمر رياضي عام تشارك فيه جميع الأطراف ذات العلاقة لتشخيص المشكلات ووضع الحلول الناجعة الهادفة إلى النهوض باللعبة من جديد، عبر استراتيجية طويلة المدى تمتد من 5 إلى 10 سنوات تلتزم بتنفيذها جميع المؤسسات الرياضية في الدولة من مجـــــالس رياضية واتحاد وأندية، وجهات أخرى فاعــلة، اتحاد الرياضة المدرسية باعتباره الحلقة الأولى في النهوض الكروي المنشود، لافتاً إلى أن كرة الإمارات تدفع اليوم ثمن عدم استكمال منظـــومة الاحتراف، وعدم تطــــوير اللوائح والنظم، وعدم فاعلية الجمعية العمومية للاتحاد، والمبالغة في عقود اللاعبين، وتراكم الديون على عدد من أندية الدولة، وبروز مشاكل وظــــواهر متنوعة بين فترة وأخرى.

جلسات العصر
تحسر العميد حسن إبراهيم العيسى على أيام زمان بقوله: ما يحزنني في وضعنا الكروي الآن، هو أن حالنا في السابق «كان» أفضل وأجمل، ففي السابق، «كانت» لدينا جمعيات عمومية تنتخب مجالس إدارات الأندية عبر آليات انتخابية محترمة، وأنا أول رئيس منتخب لمجلس إدارة نادي الإمارات مطلع تسعينيات القرن الماضي، وأفخر بذلك كثيراً، وأيضاً «كانت» لدينا جلسات العصر التي تمتد إلى ما بعد العاشرة ليلاً، جلسات نتداول فيها كل هموم وشجون كرة القدم في الدولة، وغالباً ما نخرج بحلول ومعالجات ناضجة، أما اليوم، فكل هذا غير موجود، واعتقد أن أنديتنا الآن بحاجة إلى جلسات العصر، وإلى مجالس منتخبة، وهذه هي الخطوة الأولى لإيقاف تدهور كرة القدم الإماراتية، ولا مفر من العودة إلى الأصول مع الأخذ بكل ما هو جديد نافع بطيعة الحال.
