أثبتت الفتاة الإماراتية أنها قادرة على فرض نفسها وتبوؤ مكانتها على الساحة الرياضية بكل ثقة واقتدار، والمزاحمة على منصات التتويج الخارجية، خليجية كانت أو عربية، بشرط ان تتاح لها الفرصة مع بعض التشجيع، وبأقل الإمكانات، حتى لو كانت بداية بعضهن انطلقت من مائدة طعام، بل ويمكن ان تحقق انجازات اكبر وأثمن من ذلك بقليل من الاهتمام والرعاية، المهم ان تصل رسالتها إلى من يهمه أمر الرياضة النسائية في الدولة.

هذا المفهوم هو الذي أكدت عليه فتيات منتخبنا لكرة الطاولة، اللاتي نجحن في إحراز الميدالية البرونزية لمسابقة الفرق في دورة الألعاب الخليجية التي اختتمت في البحرين السبت الماضي، علما بأنهن حققن هذا الإنجاز دون ان تكون هناك مسابقة نسائية محلية رسمية في كرة الطاولة في الأساس، اي انهن نجحن في إحراز هذه الميدالية بمجهودهن وحرص اتحاد اللعبة على تكوين منتخب نسائي، في ظل عدم اهتمام الأندية وتحفظ مجتمعي لا يقدر لبنت الإمارات إمكانياتها وقدراتها على تشريف وطنها ورفع علمه خفاقا في المحافل الدولية.

هذا ما دعانا للتعرف عن قرب على صاحبات هذا الإنجاز وإلقاء الضوء على لعبة مهملة لا تلقى نصيبها من الاهتمام والعناية، ليس على المستوى المحلي فقط، ولكن على المستوى الخليجي، الذي لم يدرج ميداليات هذه الرياضة ضمن سجل الميداليات الرسمية لدورة الألعاب الخليجية الأولى.

وقد ضم منتخبنا في الدورة ثلاث لاعبات هن مجد محمد البلوشي ونورة محمد محفوظ ونورة المازمي، ونجحن في الحصول على برونزية الفرق بعد تغلبهن على عمان 3 ـ صفر، في حين ذهبت الذهبية لمنتخب البحرين، والفضية للمنتخب الكويتي، وخلال حوارنا التقينا بالثنائي مجد محمد، المصنفة الأولى على مستوى الإمارات، وزميلتها نورة محمد محفوظ، قبل ساعات من مغادرتهن إلى الأردن للمشاركة في تصفيات غرب آسيا المؤهلة لدورة الالعاب الأولمبية بلندن 2012، حيث تتنافس دول هذه المنطقة على بطاقة تأهل واحدة فقط.

 

وسيلة ترفيه

في البداية سألنا اللاعبتين عن بدايتهما مع هذه اللعبة، ولماذا اختارتا كرة الطاولة تحديداً؟

أجابت مجد انها ارتبطت بكرة الطاولة عن طريق الصدفة البحتة، حيث كان الأهل يجتمعون في بيت العائلة في الأعياد والمناسبات، وكانت وسيلة الترفيه عن ابناء وبنات العائلة هي طاولة تنس موجودة في البيت يمارس عليها الموجودون لعبتهم المتاحة، وأظهرت مجد تألقا ونبوغا فيها ونجحت في التغلب على معظم أفراد العائلة، مضيفة ان مدربة عراقية اكتشفت موهبتها في لعبة كرة الطاولة، وهي التي ساعدتها في دخول هذه اللعبة بشكل أفضل وساعدتها على اللعب في نادي فتيات الشارقة عام 2004 تقريبا.

أما نورة فقد كانت بدايتها مع كرة الطاولة أكثر بساطة، موضحة انه في بيت عائلتها كانت مائدة الطعام، وكعادة معظم العرب، لا تستخدم كثيرا لتناول الطعام، حيث كان الاعتماد غالبا على الأسلوب العربي والجلوس أرضا، ونظرا لعدم استخدام مائدة الطعام بشكل أكثر فائدة، تفتق ذهنها عن وسيلة تستغلها بها وتشغل بها وقت فراغها، فشرعت في شراء شبكة ومضارب وكرات تنس طاولة، وقامت بإعداد مائدة الطعام لتكون طاولة للعب تنس الطاولة، ومنها كانت بدايتها، وساهمت في صنع تجمع عائلي رياضي حول مائدة الطعام سابقا وطاولة اللعب لاحقا.

وأضافت انها حتى هذه اللحظة لم تكن هذه سوى وسيلة لشغل الفراغ، ولكن الأمر أخذ منحى آخر عندما بدأت تمارس نفس اللعبة في استراحة الطالبات في الجامعة، ثم شاركت بعدها في بطولة الجامعات عام 2004 وحققت المركز الثالث، وبعدها قررت الانضمام إلى نادي فتيات الشارقة حيث كانت البداية الرسمية.

 

مشاركة مناسبات

وكيف كانت مسيرتكما منذ دخولكما مجال كرة الطاولة بشكل رسمي؟

مجد: رغم ان ارتباطنا بلعبة كرة الطاولة بشكل رسمي مر عليه حوالي 7 سنوات حتى الآن، إلا ان الارتباط لا يعدو ان يكون مجرد علاقة هواية، حيث شهدت كل هذه السنوات فترات لعب ومشاركة قليلة، وفترات توقف وابتعاد عن ممارسة اللعبة؛ طويلة، وبالتالي فإن هذه الفترة لم تكن منتظمة، ولكنها مشاركة مناسبات في حالة إذا سمحت الظروف وفي حالة وجود بطولة أو مشاركة خارجية مهمة، مضيفة ان الجميل في الموضوع أن أول تواجد لها في بطولة خارجية كان البطولة الخليجية في البحرين عام 2004، وشاءت الظروف ان تعود مجددا للبحرين في دورة الألعاب الخليجية بعد 7 سنوات لتحصد برونزية الفرق.

أما نورة فقالت انها بدأت المشاركة بشكل رسمي عام 2005، ولكن ايضا تحكمت عوامل عديدة في مواصلتها للعب او توقفها فترات طويلة، ذلك بسبب ظروف الدراسة أولا ثم العمل بعد ذلك، وكذلك ظروف إقامة أسرتها في أبوظبي، مشيرة إلى انها كانت تتوقف عن اللعب ثم تعود للتدريب قبل البطولات بفترة بسيطة لا تتجاوز الأسبوعين، موضحة ان التدريب كان هو السبيل الوحيد للإعداد بالنسبة لها، في ظل عدم وجود مسابقات محلية لتقييم مستواها، وبالتالي كانت نتائجها في البطولات الخارجية تمثل اكتشافا ومفاجأة أحيانا بالنسبة لها.

وطوال هذه الفترة ماذا كانت تمثل نظرة المجتمع لكما كفتاتين رياضيتين؟

مجد: للأسف اكتشفنا ان معظم اللعبات الفردية لا تحظى بأي اهتمام، هذا بالنسبة لمسابقات الرجال، فما بالك برياضة المرأة التي تبين انها بعيدة تماما عن التركيز، بل يمكن اعتبارها رياضات مهمشة، فلا وجود للاهتمام ولا الدعم المادي أو المعنوي، والأخير تحديدا هو الاهم بالنسبة للاعبات، وذلك على اعتبار ان الفتاة تمارس الرياضية من منطلق حبها للعبة وتعلقها بها، ولا تبحث عن الجوانب المادية، ولكن الدعم المادي حافز مهم ومطلوب جدا من أجل مواصلة ممارسة اللعبة، ولكن للأسف، حتى النواحي المعنوية مفقودة تماما، لولا دعم الأهل وتشجعيهم، ومساندة اتحاد اللعبة الذي يبذل اقصى جهده في حدود المتاح له.

نورة: مسألة تقبل المجتمع لموضوع رياضة المرأة ليس سهلا على الإطلاق، في ظل عدم وجود دعم او اهتمام حكومي، ولا يمكن إغفال الدور الذي يلعبه الأهل في هذا الصدد وتشجيعهم لنا، ولولا هذا لاختلف الأمر كلية ومنذ زمن، مشيرة إلى ان والدتها تسعى جاهدة لتفريغ نفسها لكي ترافقها وتسافر معها في البطولات الخارجية التي تشارك فيها، كنوع من الاطمئنان والتحفيز لها.

 

مشكلات

وماذا عن المشكلات التي واجهتكما خلال ممارسة اللعبة؟

مجد: للأسف؛ المشكلات متعددة ومتنوعة، ما بين عدم وجود دعم أو اهتمام، علاوة على وجود مسابقات محلية، او معسكرات خارجية، حيث تنحصر برامج الإعداد قبل المشاركة في البطولات على التجمع قبل البطولة في فترة لا تتجاوز الأسبوعين، وهي مسألة، بغض النظر عن التجهيز الفني، تأثيرها سلبي من الناحية النفسية، عندما نفاجأ بمنافساتنا من المنتخبات الأخرى، والخليجية تحديدا، وهن أكثر تجهيزا وخوضا لمعسكرات إعداد، فعلى سبيل المثال لاعبات المنتخب القطري خضن معسكر إعداد خارجيا في الصين طوال الصيف من أجل تجهيزهن لدورة ألعاب الخليج، ومن بعدها تصفيات غرب آسيا في الأردن، واخيرا الدورة العربية التي تستضيفها قطر في ديسمبر المقبل.

نورة: علاوة على كل مشاكل الإعداد والتجهيز لنا، فإننا نواجه ايضا مشكلات من نوعية صعوبة التوفيق بين أمور التدريب والعمل، صحيح ان الاتحاد ـ مشكورا ـ يعطي تفرغا لمدة 10 أيام قبل المشاركة في البطولات، ولكن التدريب بمفرده يكون مسألة صعبة، في ظل تواجدنا في العمل لمدة 8 ساعات، ومطلوب بعدها التدريب لمدة 3 أو 4 ساعات يوميا.

وهل جهات العمل أو الدراسة تتعاون معكما وتتفهم مسألة مشاركتكما في البطولات الرياضية؟

مجد: انا كطالبة في السنة الثالثة بجامعة الشارقة، أعاني كثيرا في التوفيق بين الدراسة وبين ممارسة اللعبة، صحيح انها تحصل على تفرغ فترات البطولة من الجامعة، التي تحاول مساعدتها بقدر الإمكان، ولكن أعباءها الدراسية تظل قائمة على عاتقها مثلها مثل اي طالبة منتظمة لا تمارس أي نشاط رياضي.

نورة: كما قلت؛ ان اتحاد الطاولة لا يبخل بجهد، ويخاطب جهة عملي التي تتعاون ايضا في حدود المتاح، وتستجيب لمخاطبات الاتحاد، ولكن التوفيق بين التدريب خصوصا والعمل شيء صعب، خاصة إذا علمت انه لا توجد أندية أخرى يمكن ممارسة اللعبة فيها غير نادي فتيات الشارقة.

 

مجد: دعم الأهل صنع نجاحي

 

مفاجأة

ميداليتهما «صدمة» للمسؤولين

 

اتفقت اللاعبتان مجد ونورة محفوظ على أن حصولهما على برونزية دورة الألعاب الخليجية في مسابقة الفرق، جاء مفاجئا للمسؤولين، الذين صارحوهما بقولهم انهم لم يتوقعوا تحقيق منتخب السيدات هذا الإنجاز.

فعلى الرغم من ان فرقا أخرى في لعبات غير كرة الطاولة نالت دعما ماليا إلا انها لم تنجح في تحقيق أي إنجاز، وفي المقابل لم ينل منتخب طاولة السيدات دعما مماثلا، ولم يتوقع منه تحقيق أي شيء في منافسات البطولة، ولكن كانت المفاجأة بحصوله على البرونزية، التي ربما تكون علامة تحول في توفير مزيد من الدعم والاهتمام به.

 

نجاح

تفوق تعليمي ومهني يضاف للرياضي

 

قد يعتقد البعض ان التفوق الرياضي يعيق التفوق التعليمي او المهني، ولكن مجد البلوشي ونورة محفوظ، وزميلاتهن في المنتخب، اثبتن عكس ذلك، حيث يجمعن بين التفوق الرياضي والتعليمي والمهني في آن واحد. فعلى سبيل المثال مجد ـ المصنفة الأولى على مستوى الدولة ـ هي طالبة في السنة الثالثة بكلية الهندسة المعمارية، وتواصل دراستها بنجاح وتفوق، رغم صعوبتها، نفس الأمر بالنسبة لنورة محفوظ، فهي موظفة ناجحة في تلفزيون ابوظبي، وتشغل مركز مدير قسم الإبداع بالإنابة، وفي نفس الوقت طالبة ماجستير في «إدارة الأعمال التنفيذي»، وتسعى للحصول على الدكتوراه بعدها أيضا.

 

تاريخ

سجل إنجازات اللاعبتين

 

لم تكن برونزية دورة الألعاب الخليجية الأولى للاعبتين في مسيرتهن الرياضية، حيث سبق لمجد محمد ـ الأكثر مشاركة بالنسبة للاعبات منتخبنا ـ الحصول على المركز الثالث في البطولة الخليجية التي استضافتها الشارقة عام 2004، وحصلت فيها ايضا على كأس احسن لاعبة، كما حصلت على ذهبية الفرق في بطولة الخليج 2007 وبرونزية الفردي في نفس البطولة، علاوة على ثالث الخليج في الفردي ببطولة الخليج في قطر 2010. في حين تعد برونزية الأولمبياد الخليجي في البحرين الثانية في سجل نورة محفوظ، بعد مشاركتها ذهبية الفرق في بطولة الخليج 2007 في الشارقة.