بعض مضي سبعة أسابيع من دوري اتصالات للمحترفين بسبع هزائم تعرض لها فريق دبي، تحولت الأحاديث في البرامج الرياضية، ولدى المتابعين إلى مراقبة من الذي سيرافق دبي إلى دوري الدرجة الأولى، ولم يكن ـ تقريبا ـ متداولا موضوع قدرة الفريق على العودة من جديد إلا على استحياء. ولكن الأقدار حملت معها تطورا نوعيا في مسيرة «الأسود» فمنذ السادس والعشرين من شهر أكتوبر الأخير وحتى الآن خاض دبي خمس مباريات في الدوري فاز في أربع منها على الظفرة والعين وكلباء والوصل، وخسر في واحدة أمام الجزيرة، وبعد أن كان في واد سحيق أسفل سلم الترتيب بلا نقاط ولا أمل، أصبح الآن في المركز العاشر برصيد اثنتي عشرة نقطة متقدما على العين العريق، ورشحا لمواصلة غزواته، ولم يكتف بذلك، بل انتزع الإعجاب بما يقدمه على أرض الملعب.

وهذه الأرقام التي حققها دبي أخيرا يقف وراءها مدرب برازيلي مغمور اسمه خوزيه جونيور لم يسبق له أن خاض تجربة في الإمارات، التقاه «البيان الرياضي» في محاولة لتلمس خطوات النجاح المرحلي الذي يحققه الفريق.

ولمسنا في طيات الحوار قدرا عاليا من الثقة بالنفس لدى هذا الرجل، وأيضا قدرا لا يقل من الثقة بالعناصر التي يقودها، وقدم إجابات مثيرة في بعضها، وجريئة في بعضها الآخر.

كيف ترى وضع فريق دبي الحالي من الناحية الفنية والبدنية والذهنية؟

أولا أنا راض عن الفريق بشكل عام، فهو من الناحيتين الذهنية والبدنية يستحق علامة الامتياز، وخصوصا في الجانب البدني بعدما بات اللاعبون يركضون بمعدلات عالية في المباريات، ولا أبالغ إن قلت إنه يركضون أكثر من خصومهم في كل مبارياتهم. وأما من الناحية الفنية فنحن لم نصل إلى المستوى المطلوب بعد، ولكن الشيء المشجع أننا نتقدم بشكل يومي وثابت.

حقق دبي طفرة على مستوى النتائج منذ أصبحت مدربا له، فما هي الأسباب؟

العمل أولا وقبل أي شيء آخر، فنحن عملنا بجد، واشتغلنا كثيرا خلال هذه الفترة القصيرة نسبيا. والجهد الذي بذلناه يتوزع على كامل الجهاز الفني من مساعد مدرب ومدرب لياقة بدنية ومدرب حراس وجهاز طبي.

كيف كان وضع الفريق على المستوى الفني والبدني والنفسي عندما استلمت مهامك؟

أنا تواجدت مع الفريق قبل التعاقد أسبوعين، ولاحظت وجود مشاكل حقيقية لدى اللاعبين وخصوصا على الصعيد الذهني، وقد وضعت خطة عامة لتنظيم العمل داخل الملعب وخارجه. ومن المشاكل التي كان الفريق يعاني منها فقدان الثقة بالنفس لدى جميع اللاعبين تقريبا، فعملت كثيرا على توليد الثقة في نفوسهم، وقد خدمنا الفوز الذي حققنا في أول مباراة لنا بعد تسلمي لمهامي كثيرا في هذا الخصوص.

ولكن ورغم الانتصارات، فإننا لم نحقق هدفنا حتى الآن، لأننا لا نزال في المراكز الأخيرة، وينتظرنا الكثير من العمل، والكثير من الخطوات التي يجب أن نقطعها.

كان سلفك يرجع أسباب الهزائم السبع التي تعرض لها الفريق إلى عاملي صغر سنّ اللاعبين وبالتالي صغر سنهم، فهل واجهت مشاكل بهذا الخصوص؟

لا لم أواجه هذه المشاكل، ولا أعتقد أنها مبررات موضوعية للهزيمة، فالمشكلة ليست في الأعمار أو الخبرة، كما أن فريقنا يضم خليطا من الشباب والخبرة.

ونحن اكتشفنا عناصر مهمة في الفريق كانت لا تشارك مثل حسن عبد الرحمن الذي يتألق ويقدم مستويات جيدة، وأستغرب أنه لم يكن يلعب أبدا في السابق.

كيف ترى مستقبل الفريق في الموسم الجاري؟

يسير نحو التألق والصعود، ودعني أقول لجمهور دبي وجميع المتابعين من خلال صحيفتكم: دبي باق في دوري المحترفين، وليس هذا ما يشغلنا حاليا، وإنما نحن نعمل ونفكر ونخطط لاحتلال مركز جيد في اللائحة.

هل تقول هذا الكلام تحفيزاً للاعبين فقط؟

لا أبدا، ولو أردت تحفيزهم لفعلت ذلك مباشرة أثناء التدريب، وليس من خلال الصحافة. أنا أتكلم بناء على ما أرى أمامي أثناء التدريبات.

خططت لتدعيم فريقك ببعض العناصر الوطنية والأجنبية، فلماذا لم نشهد تعاقدات تذكر في فترة الانتقالات الشتوية؟

طلبت من الإدارة التعاقد مع ثلاثة لاعبين محليين على الأقل، وقد بذلت الإدارة جهدا، ولكننا لم ننجح في مساعينا لأننا لم نجد اللاعبين الذين يفوقون لاعبينا ويشكلون إضافة. وتتركز جهودنا حاليا على التعاقد مع لاعبين تحت عشرين عاما لفريق الرديف الذي مازال المجال أمامنا مفتوحا لتعزيزه.

هل شكل مستوى الدوري الإماراتي مفاجأة لك؟

نعم، فالدوري هنا مستواه جيد، ويضم لاعبين محليين وأجانب ذوي مستويات جيدة.

ما الذي ينقصكم كي تنجحون في تحقيق تطلعاتكم؟

الفوز، ولكي تتحقق الانتصارات يجب أن نحافظ على مستوانا الحالي، وأن نحافظ على عقلية اللاعبين، وكذلك الالتزام بالخطة العامة التي نسير عليها في المباريات والتدريبات، وحتى خارج الملعب، وتعزيز الروح العالية التي يتمتع بها اللاعبون، وكذلك الاستمرار في حصر وتركيز ذهن اللاعبين بالتفكير في الدوري، ومنع تشتته في أمور أخرى، والمحافظة على النظام في الفريق.

سيتوقف الدوري ‬40 يوما، فهل تشعر بقلق أن يتأثر فريقك سلبا، ويتعرقل تقدمه الحاصل في الدوري؟

لا يوجد مثل هذا الأمر، فما دمنا حددنا هدفنا، فلا خوف على مشروعنا. ولكن ذلك لا يمنعني من القول إن التوقف الذي أشاهده في الدوري الإماراتي ينال من هيبته ويسيء له، ويعيق عمل أي جهاز فني، لأنه يتركنا في حيرة، وفي حالة لهاث دائم وراء تغيير مناهج تحضيراتنا، ويترك أثرا سلبيا على تطور مستوى الدوري بصفة عامة. ولكي أكون صادقا معك فإن التوقف الذي أراه في الدوري الإماراتي لم أشاهده أو أسمع به في أي مكان آخر في العالم.

وهناك مسألة أخرى وهي التداخل الشديد في المسابقات، لدرجة قد تتسبب في وقوع بعض الفرق في حالة ضياع واختلاط الأمر عليها بحيث تخلط بين اللعب في مسابقة الدوري أو كأس اتصالات أو كأس رئيس الدولة.

كيف تفكر في استثمار فترة التوقف؟

تفكيري الأهم والأكبر محصور في مباراة الشباب، وكل الأمور سيأتي أوانها بعد لقاء الشباب، فبعد المواجهة نستطيع أن نضع خطتنا للأربعين يوم اللاحقة لها في غضون ثلاث ساعات.

كيف تقيم مستوى اللاعبين الأجانب، وهل يحتاج فريقك إلى عناصر أجنبية ذات مستوى أفضل؟

نحن مرتاحون لما يقدمه أجانبنا في الوقت الحالي، ولكن ذلك لا يمنع من التعاقد مع لاعبين على مستوى أعلى يستطيعون أن يقدموا الإضافة فيما لو سمحت بذلك الظروف.

كيف تستعد لمباراة الشباب، وكيف تراها؟

بلا أدنى شك مباراة الشباب هي الأهم في تاريخ نادي دبي.

لماذا؟

لأن الفوز فيها سيقلص الفارق بيننا وبين الشباب نفسه، ولأنه سيمكننا من الاحتفاظ بفارق النقاط عن الذي يلينا في الترتيب، ولأنه سيرفع نسبة نجاحنا في تحقيق مشروعنا. وفي هذه المرحلة بالذات، فإن كل مباراة لاحقة ستكون هي الأهم من سابقاتها.

تطور فريق الشباب كثيرا في الأسابيع الأخرى، وحقق نتائج وقدم مستويات لافتة، هل يشكل هذا بعض القلق بالنسبة لكم؟

أنا لا أنظر إلى هذه المسائل كثيرا، فقد شاهدت الفريق ودرسته بطريقة مناسبة، وسأشرحه أمام اللاعبين، وسنعمل بنفس المنهج الذي عملنا فيه سابقا. وفي النهاية فإنه لا توجد أي مباراة سهلة في الدوري.

 

حرية

«طيور دبي» تكسر الأقفاص وتغرد في سماء الدوري

 

شهدت بداية رحلة المدرب جونيور مع الفريق حالة انفعال وجداني ـ إذا جاز التعبير ـ تمثل بحسب ما يقول: عندما جئتهم كانت حالهم كطير سجين في قفص ينتظر نسائم الحرية لكي يحلق ويغرد، وهو ما حصل بالضبط عندما بدأت علاقتي بهم، فقد لمست حجم الارتياح الكبير الذي شعروا به عندما تعرفت عليهم وقدتهم في التدريبات الأوائل. وكان يفصلنا عن مباراتنا الأولى مع الظفرة حوالي أسبوع، ولا أبالغ إن قلت لك إنه كان أسبوعا صعبا للغاية، لا بل من أصعب الأيام على الإطلاق، ولكن جاءت المباراة لتشهد انفجار حماس اللاعبين، ورغبتهم في تحقيق الانتصارات.

وحدث ذلك رغم أن الفريق «يعجّ» بالمشاكل، وخصوصا من الناحية الذهنية، فقد كانوا مرهقين ذهنيا، وهذا الوضع الذهني من الطبيعي أن ينعكس على لياقتهم البدنية بشكل سيء للغاية، وبالتالي نفسيا وبدنيا. ولكننا استطعنا تجاوز كل هذه المسائل بالمحبة والتعاون والنظام، وسنواصل عملنا حتى نحقق هدفنا الأكبر وهو البقاء في دوري المحترفين والبحث عن مركز جيد على سلم الترتيب.

 

انضباط

ثلاثية «النظام والتعاون والحرية المسؤولة»

 

حول مدى الصعوبة التي واجهها في علاقته مع اللاعبين، وفي مراقبة وضبط سلوكياتهم بما يجعلها أقرب إلى المهنية والاحترافية، قال جونيور: شعرت في البداية ببعض الصعوبة في ضبط سلوكياتهم، لأنني عندما جئت إلى الفريق لم أجد نظام عمل داخلي، وكانت أولى خطواتي وضع نظام داخلي يلتزم به الجميع، وبصراحة تعرضت لمفاجأة سارة عندما وجدت التزاما كبيرا من جانب جميع اللاعبين وتعاونهم الكبير معي. وكان المحور الأهم في النظام الذي وضعته يقوم على الانضباط في المواعيد، سواء كانت مواعيد التدريبات، أو مواعيد الطعام، أو مواعيد النوم.

أما بالنسبة لتفاصيل العلاقة بيني وبينهم، فلم أقع في أي مشكلة تذكر مع أي واحد منهم، وعلاقتي بهم جميعا ممتازة. وأسعى في عملي لأن أجعلهم يحبون التدريب ويحترمون الجهاز الفني الذي يشرف عليهم.

ولكن مع كل هذه القوانين والانضباط الذي أسعى إليه، فأنا لم يفتني أن أمنحهم بعض الحرية، فهي ضرورية بالنسبة للاعب.

وبالثلاثية التي عملنا عليها والقائمة على النظام والتعاون والحرية المسؤولة، استطعنا أن نقفز إلى الأمام، ونظهر شخصيتنا في الدوري.

 

مهنية

كلمة في حق «المترجم» والمدرب مصطفى سويّب

كلمة حق لا بد منها يجب أن أقولها بحق المغربي مصطفى سويّب مساعد مدرب فريق دبي الذي قام بمهمة الترجمة خلال الحوار. وعلى الرغم من أنني لا أعرف اللغة الفرنسية التي تحدث بها جونيور، إلا أن بعض القواسم المشتركة بين اللغتين الفرنسية والإنجليزية، التي ظهرت على لسان المدرب، مكنتني من حقيقة مهمة جدا وتتمثل بالترجمة الدقيقة التي قام بها سويّب سواء في نقل السؤال، أو في نقل الجواب، وكثيرا ما كان سويّب يتوقف عن الترجمة ليسأل المدرب عن جزئية معينة بهدف نقلها بدقة إلى اللغة العربية، فكان «بحق» أمينا على الكلام من الجهتين، ومهنيا في نقل المعاني والكلمات كما وردت.

ولكنه في أواخر الحوار سكت عن بعض الكلام، فسألته عن السبب، فقال: إن المدرب يتحدث عن دوري، وأنا لا أفضل الحديث عن نفسي، وعندما ألححت عليه في نقل ما قاله جونيور أجاب: «يقول المدرب إنني وهو مثلنا كمثل الجسد من الرأس».

وسألت ـ بمكر ـ المدرب للملاطفة: من الرأس فيكما، فجاءني الجواب بابتسامة وجه لسان حاله يقول: «متى ستتركنا في حالنا؟!».

 

تعلم وصبر

سألت جونيور عن وجهته المقبلة بعد انتهاء الموسم، فقال: أنا أحببت نادي دبي كثيرا، ولن أنسى أنه كان وراء منحي فرصة مهمة للتدريب هنا، وأنني انطلقت معه وبه. وعبر عن رغبته في العمل داخل صفوفه.

ولم ينكر المدرب أنه يخطط لكي يصل إلى القمة في العملية التدريبية، وأنه يخطط ليكون مدربا كبيرا، وأنه في حالة عمل دائم ويومي من أجل هذا الهدف.

واستطرد: لكنني لست مستعجلا، فعلي أن أتحلى بالحسنيين: التعلم والصبر.