الاستقرار يعد أحد أهم دواعي بناء المنتخبات والأندية في سماء كرة القدم، ونجاح العديد من الفرق يرجعه الخبراء للاستمرارية والاستقرار الفني بابقاء المدرب في منصبه لفترات طويلة، ولكن هذا الأمر قد يدعوا للحيرة والتعجب في بعض المنتخبات والأندية، التي تعاني كروياً، ومع ذلك تصر على استمرارية المدرب بداعي الاستقرار، فهل هو استقرار مبني على نظريات علمية، أم هو عناد مع الجماهير والنقاد تخسر على إثره المنتخبات والأندية سمعتها؟!
وفتح التجديد لهانز فليك المدير الفني لمنتخب ألمانيا الجرح والتساؤلات من جديد عن جدوى استمرارية المدربين في ظل الإخفاقات المتتالية، فمنذ أن تولى فليك تدريب المنتخب الألماني في 2021، لم يحقق المدرب أي نجاح يذكر، بل وخرج بصورة مذلة من كأس العالم 2022، والذي أقيم في قطر.
واستخدم فليك شماعة سياسة التجديد والانسجام، رغم كونه لم يكن جديداً على المنتخب، وعمل مساعداً للمدرب يواكيم لوف، المدير الفني السابق للمنتخب الألماني، وعلى الرغم من استعانته بالعديد من اللاعبين الشبان، إلا أنه أصر على القوام الرئيسي لمنتخب المدرب السابق لوف، وظهر المنتخب الألماني أقل صلابة في كل مبارياته، وصار استمرار فليك في منصبه محل جدل، وتساؤلات، فدعا ديتمار هامان، لاعب وسط منتخب ألمانيا وفريق ليفربول الإنجليزي لكرة القدم السابق، للتخلي عن خدمات هانز فليك، المدير الفني للمنتخب الألماني، وذلك في أعقاب "العرض المخيف في بعض الأحيان"، الذي قدمه المنتخب الألماني خلال خسارته 2 / 3 أمام نظيره البلجيكي في المباراة الودية التي جرت بينهما الثلاثاء.
وقال هامان، الذي يعمل الآن محللًا في محطة (سكاي تي في)، لوكالة الأنباء الألمانية إنه في ظل عدم طرح الثقة في منصب فليك بعد خسارة المنتخب الألماني أمام بلجيكا، فإنه "لا يوجد بديل" سوى إجراء تغيير في القيادة.
الفترة الأسوأ
وكان المنتخب الألماني قد قدم واحد من أسوأ مستوياته في كأس العالم 2022، وودع مبكراً من الدور الأول، مقدماً أداءً هزيلاً، اعتبره النقاد الرياضيين الأسوأ في تاريخ المنتخب الألماني، وعن ذلك أكد هامان: "لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو، لقد قلت بالفعل بعد كأس العالم إنني لا أرى أي سبب على الإطلاق لاستمرار هذا المدرب".
وتابع "إذا كنا نعتقد أن لدينا حتى أبعد فرصة للتتويج بكأس الأمم الأوروبية (يورو 2024) في ظل تواجد هذه الكوكبة، فنحن نكذب على أنفسنا ونصبح مفتقدين لحواسنا. لن نكون أبطالا لأوروبا مع هذا المدرب".
ورغم خروج المنتخب الألماني المبكر من مرحلة المجموعات في نهائيات كأس العالم الأخيرة التي أقيمت بقطر العام الماضي، لكن فليك ظل محتفظا بمنصبه الذي يشغله منذ عام 2021.
وفي أول فترة توقف دولي بعد مونديال قطر، تغلب منتخب ألمانيا 2 / صفر على منتخب بيرو وديا، قبل أن يخسر 2 / 3 أمام المنتخب البلجيكي، الذي تقدم مبكرا بثنائية نظيفة في الدقائق العشر الأولى من اللقاء.
وتأتي هاتين المباراتين في إطار استعدادات منتخب (الماكينات) لكأس الأمم الأوروبية، التي تستضيفها ألمانيا صيف العام القادم.
ورفض هامان تصريحات فليك واللاعبين، التي أشاروا خلالها إلأآ أن الفريق تحسن مستواه بعد تأخره في النتيجة أمام بلجيكا.
وشدد هامان "بدء التحسن في الأداء عند التأخر في نتيجة أي مباراة شيء يمكن للجميع القيام به. خاصة مع تراجع الفريق المنافس للدفاع بالإضافة لاستبدال (روميلو) لوكاكو أو (كيفين) دي بروين".
وتابع "كان يجب أن نكون متأخرين صفر / 4 أو صفر / 5، لكي نجري نقاشا آخر الآن".
أوضح هامان "إنني أتساءل ما هو المعيار. نحن نتخبط ونقول إننا على ما يرام. ولكن لن يحدث شيء مع تلك الكوكبة".
حالات أخرى
ولم تكن حالة المدرب فليك هي الوحدية، فمن قبل انهالت الصحف البلجيكية بالانتقادات للمدرب، الإسباني روبيرتو مارتينيز، المدير الفني لمنتخب بلجيكا، والذي أقيل من منصبه عقب الإخفاق في كأس العالم 2022، والذي استمر مع المنتخب البلجيكي منذ 2016، وحتى 2022، واعتبره المحللون أقل من طموحات المنتخب البلجيكي، الذي ضم كوكبة من اللاعبين أمثال روميلو لوكاكو وكيفين ديبروين وإيدين هازارد، وغيرهم من المواهب، التي كانت ضمن الأفضل في العالم في تلك الحقبة، إلا أن ماريتينز لم يحقق ألقاباً تكافئ ما يملكه المنتخب البلجيكي من مواهب.
ولعب المنتخب البلجيكي مع مارتينيز 80 مباراة فاز في 56 منها، بنسبة انتصار 70 بالمئة، وهي نسبة لا بأس بها، إلا أن سقف الطموحات البلجيكية كان مرتفعاً قياساً على النجوم في صفوف الفريق، وعدم إحراز أي بطولات في حقبة مارتينيز، جعله مصباً للعنات، والانتقادات سواء من الجماهير أو من النقاد، ومع ذلك استمر مارتينيز حتى الخروج المذل من كأس العالم 2022، وبعد أن أصبح استمراره تحدياً للقوة الجماهيرية غير مبرر، خاصة في ظل أفول نجم أغلب العناصر الموهوبة التي شكلت قوة المنتخب البلجيكي.
ونماذج الاستمرارية غير المبررة كثيرة على مستوى المنتخبات، منذ استمرار السويدي أريكون مع منتخب إنجليترا سنوات دون حصد أي ألقاب رغم امتلاكه لعنصر فعالة أبرزها الأسطورة ديفيد بيكهام في ذلك الوقت، وكذلك استمرارية المدرب الإسباني فينسينت دل بوسكي مع المنتخب الإسباني، رغم وضوح تراجع مستوى المنتخب في أيامه الأخيرةـ، إلا أن الفترة الذهبية للمنتخب الإسباني وإسهامات دل بوسكي في انتصارات تاريخية أبرزها التتويج بلقب العالم، ربما كان شافعاً لاستمرارية دل بوسكي، قبل أن ينسحب من المشهد بإرادته حفاظاً على تاريخه، إلا أن المنتخب الألماني لا يملك ألقاباً، وليس هناك من شافع لهانز فليك للاستمرارية في منصبه، غير العناد الألماني، وحب الاستقرار المبالغ فيه.
نماذج الأندية
والأمر نفسه لا يقتصر على المنتخبات، ولكن في الأندية أيضاً، تصر إدارات الأندية على الإبقاء على مدربين، رغم تراجع النتائج، وانهيار المستوى في بعض الأوقات، مثلما يحدث حالياً مع ليفربول الإنجليزي، الذي تراجع مستواه كثيراً في الفترة الأخيرة مع المدرب الألماني يورغن كلوب، ووصل للمركز الثامن في الترتيب، قبل أن يتحسن الوضع قليلاً ويصعد للمركز السادس، مبتعداً عن أي من المراكز المؤهلة للمسابقات الأوروبية.
وفي تشيلسي الإنجليزي أيضاً، يظل الإصرار على استمرارية المدرب غراهام بوتر، رغم تراجع البلوز لمراكز متأخرة في الدوري الإنجليزي، وتقديمه واحد من أسوأ المواسم تحت إدارة المدرب، وهو ما يضع استراتيجية الاستقرار والثبات في مهب الريح، كون النظرية مبنية على الدراسة والتصاعد التدريبجي، وهو ما لا ينطبق على بعض من هذه الحالات، حيث ترتبط استراريتهم على رأس عملهم بالعناد مع الجماهير والنقاد، أكثر من الارتباط بنظريات الاستقرار.
