فرض المدرب الأفريقي في الفترة الأخيرة سيطرة واضحة، حتى أضحى مطلوباً للتدريب خارج بلده، بفضل الإنجازات غير المسبوقة التي حققها على صعيد المنتخبات الوطنية أو نخبة فرق القارة السمراء، ولا أدل على ذلك من قيادة 4 مدربين وطنيين لمنتخباتهم للتأهل لمونديال 2022، وهي حالة نادرة لم تحدث من قبل في تاريخ المشاركات الأفريقية في المونديال، حيث تألقت فرق أفريقية تحت قيادة مدربي القارة الذين أثبتوا أنهم مدربون من العيار الثقيل.

ويعتبر السنغالي سيسيه صاحب أفضل النتائج والمكاسب مع منتخب بلاده بقيادته له للفوز بكأس أفريقيا 2022 في الكاميرون، ثم التأهل بعد شهر واحد للمونديال بعد مواجهة مكررة أمام المدرب البرتغالي كارلوس كيروش مدرب منتخب مصر السابق. ووسط السطوة الأفريقية الكبيرة للمدربين هذا العام، استطاع التونسي جلال القادري أن يحجز مقعداً وحيداً للمدرب العربي بعد قيادته الناجحة لمنتخب بلاده للمونديال.

4 من 5

ومن بين خمسة منتخبات أفريقية شقت طريقها إلى المونديال، هناك أربعة منتخبات تحظى بقيادة وطنية، بينما تأهل المنتخب المغربي فقط بقيادة المدرب البوسني وحيد خليلوزيتش، ويتولى قيادة منتخبات الكاميرون وغانا والسنغال أحد اللاعبين الدوليين السابقين، بينما يتولى تدريب المنتخب التونسي المدير الفني جلال القادري الذي يحظى بخبرة تدريبية تفوق عشرين عاماً. ويتولى نجم الدفاع الكاميروني الدولي السابق سونغ تدريب منتخب بلاده.

واستعاد المنتخب الغاني ذكريات الماضي بنجاحه في الوصول لمونديال 2022 على يد المدرب الوطني أوتو أدو الذي سبق له الاحتراف في ألمانيا قبل الانتقال لعالم التدريب ويواجه المنتخب الغاني «النجوم السوداء» مهمة صعبة في المونديال، حيث أوقعته القرعة في المجموعة الثامنة مع منتخبات البرتغال وأوروغواي وكوريا الجنوبية.

في الوقت نفسه، اعتمد المنتخب السنغالي في رحلته بالتصفيات على المدرب الوطني أليو سيسيه الذي كان أحد نجوم الفريق في مشاركته الأولى ببطولات كأس العالم من خلال نسخة 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، وقاد الفريق لنهائي كأس الأمم الأفريقية 2002 كما لعب لناديي باريس سان جيرمان وليل الفرنسيين.

وبعد توليه تدريب المنتخب السنغالي في 2015، سطع سيسيه كمدير فني للفريق حتى قاده في فبراير الماضي إلى الفوز بلقب كأس الأمم الأفريقية قبل أن يقوده للتأهل إلى المونديال الذي يخوضه ضمن المجموعة الأولى مع منتخبات قطر وهولندا والإكوادور.

قصة ملهمة لـ «قادري»

وعلى عكس الحال لدى مدربي الكاميرون وغانا والسنغال، ربما يفتقد جلال القادري مدرب المنتخب التونسي للسيرة الذاتية كلاعب، ولكنه يحظى بخبرة تدريبية أكبر من مدربي الفرق الثلاثة، حسبما أفاد الموقع الإلكتروني للاتحاد الدولي للعبة «فيفا». وبدأ القادري مسيرته التدريبية في 2001، لكنه سيواجه في المونديال أصعب مهمة، حيث يخوض البطولة ضمن المجموعة الرابعة التي تضم معه منتخبي فرنسا والدنمارك وأستراليا.

وبدأ قادري ارتباطه بمنتخب تونس في يونيو 2021 في منصب مدرب مساعد ثانٍ، ولم يكن أي من المتابعين للساحة الكروية في تونس يعتقد أن هذا المدرب سيسطع نجمه في ظرف سبعة أشهر فقط، وسيصبح المدرب الأول للمنتخب والمدرب العربي الوحيد الذي ينتظر أن يكون حاضراً في كأس العالم 2022.

وتبدو قصة الصعود الصاروخي لجلال القادري، من مجرد مدرب مساعد ثانٍ إلى مدرب أول حامل لآمال الجماهير التونسية، وممثل للمدربين العرب في المونديال ملهمة بالفعل، فقد استطاع في ظرف زمني قصير أن ينجح في المهمة الطارئة التي عهدت له، وذلك في نهائيات كأس أمم أفريقيا 2022، وأن يكسب رهاناً صعباً عندما قاد تونس للتأهل لنهائيات كأس العالم للمرة السادسة في تاريخها.

ومنذ تعيينه مدرباً مساعداً ثانياً ضمن الجهاز الفني للمنتخب التونسي، ظل القادري، الذي لم تكن له تجارب فنية كبرى خلال مسيرته التدريبية، خارج دائرة الأضواء بفعل وجود كل من المدرب الأول المنذر الكبير ومساعده الأول عادل السليمي في الواجهة، ولكن منذ نهائيات كأس أفريقيا الأخيرة في الكاميرون بدأت أسهم القادري تتصاعد وبصمته ضمن الجهاز الفني لنسور قرطاج تظهر بقوة.

لعبة الأقدار

وجاءت مباراة تونس ونيجيريا ضمن الدور ثمن النهائي لكأس أفريقيا لتكون منعرجاً حاسماً في مسيرة القادري، حيث لعبت الأقدار دوراً كبيراً في وصوله إلى منصب المدرب الأول، وقبل تلك المباراة تعرض مدرب منتخب تونس الأول المنذر الكبير إلى الإصابة بفيروس «كورونا»، مما حتم عليه الخضوع للحجر الصحي والغياب عن تلك المواجهة التي تكفّل خلالها جلال القادري بمهمة قيادة النسور لينجح آنذاك في التأهل للدور ربع النهائي وإقصاء المنتخب النيجيري أحد أقوى المرشحين وقتها للتتويج باللقب.

وصعدت أسهم جلال القادري بعد تلك المباراة لدرجة أن الكثير من الجماهير التونسية طالبت بتعيينه مدرباً أول خصوصاً أن عودة المنذر الكبير للإشراف على قيادة نسور قرطاج في «كان 2022» تزامنت مع الخسارة آنذاك أمام منتخب بوركينا فاسو (0 ـ 1) ومغادرة السباق.

وعقب عودة منتخب تونس من كأس أفريقيا، بادر اتحاد كرة القدم بالإعلان عن إقالة المدرب المنذر الكبير وتعيين جلال القادري مدرباً أولاً لنسور قرطاج، الذين كانوا يستعدون لخوض مباراة الدور الحاسم من تصفيات كأس العالم أمام منتخب مالي، وواصل جلال القادري، البالغ من العمر 50 عاماً، رحلة صعوده الصاروخي عندما نجح في قيادة النسور للتأهل للمونديال بعد الفوز أمام مالي في مجموع مواجهتي الذهاب والإياب (1 ـ 0)، ليتحول في ظرف زمني قصير من مدرب طوارئ إلى نجم في الساحة الكروية في تونس وحامل لطموحات الجماهير في تحقيق نتائج مشرّفة في كأس العالم قطر 2022.

تألق مع الأندية

وامتد تألق المدربين الأفارقة على صعيد الأندية في آخر موسمين نجحوا خلالهما في اعتلاء منصات التتويج محققين أفضل النتائج، ويأتي على رأسهم المدرب الجنوب أفريقي بيتسو موسيماني مدرب الأهلي المصري السابق الذي حصل على لقب دوري أبطال أفريقيا مرتين على التوالي خلال عام واحد فقط، ووصل للنهائي في البطولة 3 مرات على التوالي في 20 شهراً، زيادة على فوزه مع الأهلي ببرونزية العالم مرتين على التوالي في كل من الدوحة وأبوظبي، وهو من المدربين القلائل الذين حصلوا على اللقب الأفريقي الكبير مع الأندية 3 مرات، حيث سبق فترته مع الأهلي الفوز باللقب مع صن داونز الجنوب أفريقي، ولم يذهب اللقب الأفريقي بعيداً عن مدربي القارة السمراء في النهائي الثالث الذي خسره موسيماني، حيث كان الفوز من نصيب المغربي وليد الركراكي مع فريقه الوداد.

وسار المدرب الكونغولي فلوران ايبينجي على ذات درب أقرانه الأفارقة وهو يعتلي منصة التتويج مع فريق نهضة بركان المغربي الذي حصل على كأس الكونفدرالية هذا العام، وكان من المهم أن يلتقي المدربون الثلاثة «موسيماني، الركراكي وفلوران» في الورشة التدريبية التي نظمت مؤخراً في المغرب لمنح شهادة الدبلوم في التدريب «كاف برو».