الكل يعرف ذلك المشهد المألوف عندما تتساقط حبات «الدومينو» المتراصة بمجرد إيقاع أول حبة، ذلك التأثير المتتابع المتتالي من مجموعة تساقطات تتبع السقوط الأول.. هذا التأثير هو بالضبط ما كان على وشك الحدوث بإعلان إقامة «السوبر ليغ» الأوروبي.

تجميد مخطط دوري السوبر الأوروبي، بعد انسحاب المؤسسين النادي تلو الآخر، أنقذ كرة القدم العالمية من كوارث عدة إذا اكتمل المشروع الانفصالي عن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ورغم توقف الفكرة عن النمو في مهدها، إلا إنها «لم تمت» بعدما «ألقت حجراً في الماء الراكد»، بل ستبقى قائمة وفق المفهوم من بيان اللجنة المنظمة للبطولة، والذي تضمن تعبير «إعادة الهيكلة»، مما يعني أنها قابلة للحياة مجدداً، وهو الأمر المتوقع حدوثه قريباً، إذا لم تستطع الأندية مواجهة ديونها المالية الكبيرة المترتبة على الآثار الاقتصادية لانتشار فيروس «كوفيد19».

وخلال الساعات الماضية، لم يكن للعالم أي حديث، سوى عن دوري السوبر الأوروبي، وردود أفعال المسؤولين والسياسيين الغاضبة، ورأى البعض فيها مبالغة كبيرة على اعتبار أن الأمر مجرد لعبة رياضية، إلا أن الأمر أعمق كثيراً وأشبه بـ «جبل الجليد»، إذ لا ترى منه إلا الجانب الصغير المتمثل بقمته، ولكن خطورته في الجزء الأكبر المختفي منه تحت الماء، وهنا نحاول أن نرسم معاً سيناريو لما يمكن أن يحدث للعالم إذا نجحت الأندية الـ 12 المؤسسة لدوري السوبر الأوروبي، في إكمال مشروعها الانفصالي، وأصبح أمراً واقعاً، وعلى الجميع التعامل معه.

فكر الانفصال

نجاح دوري السوبر الأوروبي، كان سيشجع العديد من أندية العالم، على القيام بخطوات مشابهة، وتأسيس بطولات انفصالية عن الاتحادات القارية لكرة القدم التابعة لها، والمؤكد وفق ما نشر من تقارير خلال الساعات الماضية، أن أندية من أمريكا الجنوبية، كانت تترقب عن كثب، خطوات المشروع الأوروبي، سعياً لتقليده حال نجاحه، وكذلك أندية آسيوية يتركز أغلبها في منطقة شرق آسيا المنتمية إلى كيانات ومؤسسات اقتصادية كبيرة، ومستقبلاً ربما نرى أيضاً، بطولات انفصالية عن الاتحاد الدولي للكرة «الفيفا».

ولأن كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في العالم، خشي القادة السياسيون من انتقال عدوى الانفصال إلى مؤسسات وروابط دولية أخرى، ولذا كان طبيعياً أن تأتي المعارضة القوية والواسعة، من قبل رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جاني إنفانتينو، والذي هدد الأندية المنخرطة في المشروع، بأنه سيكون عليها تحمل عواقب قراراتها، لأن من واجب (الفيفا) حماية نموذج الرياضة الأوروبية.

كيانات اقتصادية

استكمال مشروع الدوري الانفصالي، كان سيخلق كيانات اقتصادية ضخمة جديدة متمثلة في الأندية المؤسسة، وهو ما يعني توجه جزء أكبر من الاقتصاد العالمي إلى الاستثمار في المجال الرياضي، في الوقت الذي تحتاج فيه الدول إلى توجه استثماري في مجالات تمس الحياة أكثر أهمية، لعلاج الآثار السلبية لتفشي فيروس كورونا، وهو الأمر الذي وضح من خلال ارتفاع أسهم مانشستر يونايتد بنحو 150 مليون جنيه إسترليني، ثم خسارة النادي لنفس القيمة المالية مع انهيار خطط الدوري الأوروبي الممتاز، وكذلك يوفنتوس، والذي شهدت أسهمه ارتفاعاً بنحو 19% في بورصة ميلانو بعد الإعلان عن البطولة، ولكن سعر أسهمه عادت وانخفضت بنسبة 4%، ولا تزال تواصل الانخفاض مع تجميد المشروع. 

وكانت أسهم يونايتد المدرجة في بورصة نيويورك، قد شهدت فقدان 6% من قيمتها بعد تجميد المشروع، إذ كانت قيمة السهم في يونايتد حوالي 11.60 جنيهاً إسترلينياً يوم الجمعة الماضي، وقبل الإعلان عن خطط بقيمة 4.6 مليارات جنيه إسترليني للدوري الانفصالي، ثم قفز السهم إلى 12.63 جنيهاً إسترلينياً صباح يوم الاثنين الماضي، مع حرص المستثمرين على زيادة محتملة في الإيرادات، وعاد سعر السهم إلى 11.64 جنيهاً إسترلينياً يوم الثلاثاء، مع بداية انسحابات الأندية من المشروع.

الأندية الصغيرة ستكون الأندية الصغيرة، أكبر المتضررين من نجاح دوري السوبر الأوروبي، لأن القوة الاقتصادية الأكبر ستكون بيد الأندية المؤسسة للمشروع، مع حصولها على الرعاية الأكبر مالياً، مقابل تراجع في أهمية ورعاية البطولات الأوروبية التي ينظمها الاتحاد الأوروبي، إذ لن تشارك فيها وقتها إلا الأندية الأضعف فنياً والأقل جماهيرية، فيما تحصل الأندية المشاركة في الدوري السوبر، حسب ما تردد على ما يقرب من 4.19 مليارات دولار، بهدف دعم خططها الاستثمارية ومواجهة تحديات فيروس كورونا المستجد «كوفيد19»، كما كان متوقعاً أن تتلقى تلك الأندية، 10 مليارات يورو أخرى في شكل مدفوعات تضامنية على مدى فترة الالتزام الأولى، وهو ما يوفر عائدات أعلى من كل مسابقات الاتحادات الأوروبي، والبالغة 3.2 مليارات يورو من عائدات النقل التلفزيوني لموسم 2018-2019، قبل جائحة كورونا.

مؤسسات موازية مع تأسيس لجنة منظمة لدوري السوبر الأوروبي، وضمت رئيس نادي ريال مدريد الإسباني فلورنتينو بيريز، رئيساً، وجويل جليزر من مانشستر يونايتد وأندريا أنيلي من يوفنتوس، نائبين للرئيس، أصبح هناك كيان أو مؤسسة موازية لمجلس إدارة الاتحاد الأوروبي، وهو أمر يعني أن إدارة الكرة الأوروبية انقسمت بين مؤسستين، ومستقبلاً ربما نرى ثلاثاً أو أربعاً أو أكثر من مؤسسة، وكذلك يتوقع الأمر أن يمتد إلى باقي الاتحادات القارية، وربما الاتحاد الدولي للكرة، ما يعني صراعاً أكبر على «كعكة» اللعبة الأكبر شعبية في العالم، وتأثر الموارد المالية وقوة الضغط الجماهيري للبعض. 

وعكس تزايد التهديدات من قبل الاتحادات الوطنية الأوروبية، باستبعاد الأندية المؤسسة لدوري السوبر الأوروبي، الخوف من قيام الأندية داخل الدولة نفسها بالانفصال عن المسابقات الوطنية مستقبلاً، وهو الأمر الذي أشار إليه نادي وولفرهامبتون الملقب بـ«الذئاب»، بإعلانه الرمزي أنه بطل للدوري الإنجليزي الممتاز لموسم 2018-2019، كنوع من الاحتجاج على تشكيل الدوري الأوروبي الممتاز، من قبل الستة الكبار الأوائل في الدوري الإنجليزي، مانشستر يونايتد، ليفربول، تشيلسي، مانشستر سيتي وأرسنال، وإعلان توتنهام عزمه على الانضمام إلى المنافسة الانفصالية، ليضع يده على إحدى السلبيات الخطيرة لمشروع الدوري الانفصالي.

عقود اللاعبين بالتأكيد نجاح مخطط الدوري الأوروبي، كان سيخلق سوقاً غير عادلة لشراء وبيع عقود اللاعبين، وكذلك في قيمتها المالية، إذ ستكون هناك أندية قليلة القادرة على شراء أفضل اللاعبين، وسيكون التنافس بينها أكثر شراسة في رفع قيمة اللاعب مالياً، بعد العائد المالي الكبير المتوفر لديها، وسيكون على الأندية المحرومة من المشاركة في البطولة، الرضا باللاعبين الأقل مستوى، وبالتالي ابتعادها النهائي عن المنافسة على الألقاب المحلية، مع يعني خلق بيئة غير عادلة للمنافسة، كما سيزيد من معاناة الأندية مع ارتفاع فاتورة رواتب نجومها حال إكمال مخطط البطولة الأوروبية، وفاتورة الرواتب هي السبب الرئيسي في الديون التي تعاني منها أكبر الأندية الأوروبية، مثل برشلونة الذي يعاني من ديون قصيرة الأجل، قيمتها 730 مليون يورو، وأتلتيكو مدريد، والذي يقوده دييغو سيميوني، وهو صاحب أعلى راتب مدرب في العالم، لتصل فاتورة الرواتب للمدرب مع اللاعبين إلى 348 مليون يورو سنوياً.