همس أبيه

كلما أحرز هدفاً في مرمى المنافسين، وسمع هتافات الجماهير السعيدة، يتهادى إلى أذنيه صوت واحد فقط، يخترق كل ضجيج ودوي مدرجات الملاعب، ذاك صوت أبيه.. يهاتفه في غمرة الفرح.. يهامسه: «يابني استمر، تألق، حقق لي ما لم أحققه، فأنت حلمي»، عندئذ، ينسى الهدف، يستنفر طموحه، ويفكر في تسجيل آخر، حتى يجيب على رسالة أبيه المقبلة من العالم الأخر، ويبره في رقاده الأبدي.

كان عمره 15عاماً، عندما استيقظ ليلاً، على بكاء تئن منه جدران البيت الفقير، بضاحية سارسيل في فرنسا، ودموع ساخنة تختلط بزفرات حزن بعض الأقارب الذين تمتد جذورهم إلى بلدة بني سنوس في ولاية تلمسان بالجزائر، مسقط رأس والده الراحل بلا مقدمات، وآخرين من معارف والدته ذات الأصول المغربية.. بذهول نظر إلى الجميع دون أن يعي ملامح الوجوه، فقد كان يعلم أن الموت حق، لكنه لا يعرف شيئاً عن طقوس الجنائز، وبكائيات الرحيل.. حاولت الأم تخفيف الصدمة عنه، سعت أن تكون بديلاً عن أب كان يعيش لهم، ويرى في ابنه الفتي حلمه القادم، بعد أن أخفق في تحقيقه، وهو يلعب في بعض أندية الهواة الفرنسية، إذ لم تفلح محاولاته في الوصول إلى ما أراد، فدأب إلى غرس أحلامه في ابنه.. هكذا غادر الدنيا، تاركاً حلمه لابنه.

عاش الإبن أياماً مضطربة، قبل أن يستقر، ويبدأ رحلة البحث عن نفسه وعن حلم أبيه، اتجه إلى ملاعب الكرة، فبدأ في نادي جمعية الصداقة والرياضة بسارسيل، ثم انضم إلى نادي «كيمبيه» بدوري الهواة الفرنسي عام 2009، وعمره حينذاك 18 سنة، وبعد تألقه سارع نادي «لوهافر» في التعاقد معه لمدة 3 سنوات 2010، وظل مع ‏هذا الفريق حتى انتزعه الاحتراف الإنجليزي، فترك فرنسا، وانطلق إلى إنجلترا بداية 2014 ليلعب في ليستر سيتي، ويعايش مسيرته الحقيقية مع الإنجازات، محققاً جزءاً من حلم أبيه، حيث ساهم في صعود ليستر للدوري الممتاز وكافح معه حتى بقي في المسابقة دون الهبوط،، ثم نجح في تتويجه بطلاً للبريميرليغ، وبرغبة ملحة من المدرب الإسباني بيب غوارديولا، ينتقل إلى مانشيستر سيتي صيف 2018، ويحقق معه مجداً كبيراً، بالفوز ببطولات عدة، بجانب مشاركته مع منتخب الجزائر بلده الأم، في كأس العالم 2014، وحصل على جائزة أفضل لاعب في إنجلترا لعام 2016 وأفضل لاعب إفريقي 2016.

إنه رياض كريم محرز، الذي ولد في‏‎21 فبراير‎ 1991 ويعيش من أجل تحقيق حلم أبيه.

طباعة Email