حكاية حلم.. ظاهرة..!

بعد رحيل الظهيرة، انكسرت موجة الحر، وامتد الظل نحو جدران البيوت، فنفثت مداخلها بنسمات باردة، فيما بدأت الحركة تدب في شوارع «ريو دي جانيرو»، وضجيج أبواق السيارات يرن في آذان اللاوعي، فلا يشعر بها أحد، مثلها، مثل التأقلم مع الهواء الثقيل، المشبع برطوبة ورائحة الصيف في تلك المقاطعة القابعة بجنوب البرازيل، وتمس ساحل الأطلسي الكبير، عند دائرة الاستواء الجنوبية.

وسط هذه الأجواء المتداخلة، اعتاد أن ينطلق حاملاً كرة القدم التي أهداها إليه والده، يتجه نحو ساحة اللعب، يستعرض مهاراته الإعجازية، يتجمع المارة حول الملعب، وينتظرون انطلاق مباريات الخماسيات بين أحياء مدينة «بينتور ريبيرو» ليستمتعوا بأهداف هذا الغلام ابن الحادية عشرة، بعدها يعود إلى البيت، ينام فيحلم باللعب، يصرخ: «مرر لي.. دعني أسدد.. ثم يركل برجله الهواء».. تبتسم الأم رغم بؤسها وفقرها وهجر زوجها، وتشفق عليه من ضيق الحياة، لكنه حين يتحدث معها يطمئنها، أنه في يوم ما، سيكبر ويصبح غنياً، بل وسيكون له أملاك كثيرة، من بينها نادٍ لكرة القدم.. كأي أم كانت تبتسم لصغيرها، متمنية أن يحقق أحلامه التي كانت تراها صعبة المنال.

مثل كثير من الأسر الكادحة في السبعينيات، كان الفقر يداهم أسرته وفكره وأحلامه الصغيرة، لاسيما بعد أن انفصل والداه، وترك المدرسة لضيق ذات اليد، وانفض رفاقه من حوله، ولم يبق له سوى الكرة، يعمل صباحاً مع أحد الباعة الجائلين، وبعد الظهر يهرول إلى ساحة اللعب، يتنفس فيها الحياة.. انطلق، فأصبح أساسياً لفريق منطقته، وفي إحدى المباريات، لفت نظر الأسطورة البرازيلية «جارزينيو» فدفع به إلى نادي «كروزيرو» وعمره 16 عاماً، ليبدأ معه مسيرة الحلم، ويصبح أحد العلامات البارزة في تاريخ الكرة، إذ برغم الإصابات التي طاردته طوال حقبتين لعب فيهما، إلا أنه ظل يمنح هذه اللعبة منتجاً مختلفاً فنياً ومهارياً، حيث انتقل إلى نادي أيندهوفن الهولندي 1994، ثم برشلونة 1996، وريال مدريد 2002، مروراً بالإنتر1997، والميلان 2007، قبل أن يقرّر العودة إلى بلاده، ويستقر في «كورينثيانز» الذي قضى معه آخر سنتين في مسيرته الكروية، ليخرج من الباب الكبير، متوجاً مع منتخب بلاده بلقبي كأس العالم 1994 و2002.. ومحققاً العديد من الألقاب الفردية، أبرزها أفضل لاعب في العالم ثلاث مرات، أعوام 1996 و1997 و2002.

أما حلمه، فقد حققه وعمره 41 عاماً، عندما استحوذ عام 2018 على 51 بالمئة من أسهم نادي بلد الوليد الإسباني، ليصبح المالك الرسمي له مقابل 30 مليون يورو.

إنه رونالدو لويس نازاريو دي ليما.. «الظاهرة».

طباعة Email