على حافة أحد الممرات الضيقة بين بنايات المجمع السكني، في الحي الفقير بمدينة ليون الفرنسية، وقف مع رفاقه تحت زخات المطر، يتسامرون ويضحكون غير عابئين بهموم الحياة.. طفل أسمر، ساهم طول قامته، وصمته، وملامحه الصارمة، في بث هيبته على هيئته، الجميع يلتف حوله، ليفصل بينهم فيما فيه يختلفون، فيحسم خلافهم بقول فصل، ويلتزمون به دون إجبار، أدرك بفطرته، أن العدل أساس الملك، وأن الضعيف إذا افتقد إلى العدالة، يستقوى عليه غيره، ويستمرئ قلة حيلته.. مفاهيم ورثها عن أبيه المالي وأمه الفرنسية، جعلته وهو في عمر الزهور، يشعر بنصرة الفقراء واليتامى، ويبحث عن الحق والعدل.. ويحلم أن يكون مصدراً للخير وسبباً في إسعاد البسطاء والتعساء.

تحركت الأيام.. شب جسمه وفكره، وانخرط في لعب الكرة، ومكنته إمكانياته البدنية والمهارية في التألق بالملاعب، ومنحه إصراره تفوقاً واضحاً، ليلعب مع من هم أكبر منه، فانطلق في مسيرة مبكرة بنادي «ليون». مع بدايات شهرته، ظل كما هو، ينعم بالتواضع الجمّ، ويبحث عن حلمه، في الانتصار للطيبين والضعفاء.

في العشرين من عمره، انخرط في رحلة بحث عميقة عن العدل، تحركه فطرته اللاهثة لأنوار الحق، فقرأ تاريخ الأمم، واطلع على العديد من المراجع في كل الديانات، وحينما جاء للإسلام شعر بالسلام، اندمج مع ثلة من مسلمي مدينة ليون الأفارقة، وعرف وهو فرنسي المولد، أن مناسكهم تختلف عن غيرهم، وان التزامهم بتعليمات دينهم تجعلهم في تصالح مع أنفسهم ومع غيرهم، ارتحل إلى بعض الدول الإسلامية، ومنها مالي موطنه الأصلي، للتعرف على الإسلام عن قرب.

في رحلة البحث، أيقن أن تعاليم الإسلام تحفظ له صحته وقوته وتبث فيه طاقته، فكان لتعمقه في الدين أثره في الملاعب، حيث انطلق من ليون إلى «وست هام»، ثم «توتنهام» الإنجليزيين، قبل أن يستقر في إشبيلية الإسباني ومعه يحقق مجده الكروي، في 7 سنوات كاملة، حيث قاده للعودة إلى منصات التتويج بعد 58 عاماً من الغياب، وحصل معه على 4 ألقاب كبرى، قبل أن يعتزل في نادي «بكين جوان» عام 2013 ويعود إلى إشبيلية كمدرب في قطاع الناشئين.

عندما أصبح حلمه بين يديه، سخّر إمكانياته وشهرته لتحقيق بعض العدل من خلال أعمال الخير، والمساهمة في بناء المساجد وتشييد مركز لرعاية الأيتام في وطنه الأصلي مالي، ليحقق حلم طفولته بإسعاد الفقراء واليتامى. إنه فردريك عمر كانوتيه النجم المالي الذي فضّل اللعب لمنتخب بلاده الأصلية رغم أن فرنسا هي مسقط رأسه.