حكاية حلم

نبوءة قرية الياسمين!

على صوت ارتطام قوي بباب البيت، استيقظ من نومه فزعاً، يبحث عن مصدر الصوت.. مسح عينيه، وأمسك بعصاه التي يتوكأ عليها.. فتح الباب، فوجدهم يلعبون.. غلمان في عمر الزهور، اعتادوا اللعب صبيحة يوم الجمعة.. يضج منهم الجيران، لكنه يختلف عن الجميع، فقد كان لاعباً قديماً، لذلك يتعامل معهم بسعة صدر وأريحية.. أيقن أن ما حدث كان تسديدة لأحدهم، بعد أن حولوا باب البيت إلى مرمى، فيما كان المرمى الثاني، باب بيت آخر يتوسط الشارع، وهم يركضون بين المرميين.. لا يعبأون ببرد الشتاء الوافد عقب الفجر، ولا بالصقيع المتراكم على الجدران المتآكلة.. يتجنبون الأبواب التي يرفض أهلها ضجيجهم وصياحهم.. ويختارون بيته، لأنهم يعلمون أنه يحب مشاهدتهم وهم يلعبون.. دلف إلى الداخل وألقى على كتفيه عباءة اللباد، يتدثر بها من برد الصباح، وفوق كرسي خشبي قديم، جلس يتابعهم، حيث تهب الرياح المقبلة من حقول الياسمين، بشذى عطره الفياض.. تشتهر بلدتهم بزراعة وتصدير معجون زهوره إلى أوروبا.. هذه المرة لفت نظره طفل صغير، يلعب بيسراه ويركض سريعاً، فلا يلحق به أحد، تفحصه، ثم قال له: «اسمع يابني.. مكانك ليس هنا..أنت كما الياسمين، سيكون لك قدرك في ملاعب أوروبا.. إمكانياتك أكبر من اللعب في هذه القرية، أو مركز شبابها، أو حتى الأهلي والزمالك».. ابتسم الطفل الصغير، بهذا الإطراء ورسم حينها حلمه الوليد.

وهو ابن الثمانية، انطلق مع الكرة، فانضم لـ«شباب نجريج»، ومنه إلى «اتحاد بسيون»، ثم لـ«عثماثون» التابع «للمقاولون العرب» في طنطا.

موهبته، ساهمت في الانتقال السريع إلى المقاولون العرب، ليعيش مسيرة يومية شاقة، يبدأها صباحاً، باختراق حقول الياسمين، مسافة كيلو مترين ليصل إلى قرية «الشين»، ومنها يستقل حافلة إلى بسيون، ثم طنطا، ومنها إلى ميدان رمسيس بالقاهرة، ليستقل حافلة أخرى إلى استاد المقاولين، شرق العاصمة المصرية، قبل أن يعاود رحلة الإياب إلى نجريج ليلاً.

أمام موهبته، وقّع النادي معه عقد احتراف، وعمره 14 سنة، مقابل 40 ألف جنيه مصري، وصعد للفريق الأول وهو في عمر 17 سنة، ثم انتقل إلى «بازل» السويسري في أول تجربة احترافية له بأوروبا، ويتحرك بعدها من تشيلسي الإنجليزي، إلى فيورنتينا وروما الإيطاليين، قبل أن يحط رحاله في ليفربول ومعه يحقق العالمية.

ها هوالآن، يتذكر نبوءة جاره العجوز، ورحلة كفاحه، ورائحة الياسمين.. ويلهو مع ابنته مكه في أحد منتزهات مدينة ليفربول.

إنه محمد صلاح ..مو.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات