دموع دروجبا توقف حرب "الأفيال"

لا يختلف استاد المريخ السوداني، عن مساحة أي ملعب كرة قدم في العالم، ومع ذلك أصبحت هذه الأرض الصغيرة، مكاناً لإحدى حكايات كرة القدم المثيرة، والتي جرت في 8 أكتوبر عام 2005، وخلال التصفيات الأفريقية المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم، والحسبة كانت بسيطة، فوز الكاميرون في مصر، يؤهلها إلى المونديال للمرة السادسة، وأي نتيجة خلاف ذلك، سيسمح لكوت ديفوار، التي تلعب في السودان وبفارق نقطة، أن تتخطى الكاميرون، وتتأهل إلى المونديال للمرة الأولى في تاريخها.

وقاد كتيبة منتخب كوت ديفوار "الأفيال" وقتها، ديدييه دروغبا، والذي لعب المباراة مصاباً، وكولو توري وإيمانويل إبوي وديدييه زوكورا، وجميعهم محترفون في الدوري الإنجليزي، ويايا توريه، والذي كان في بدايته مع أولمبياكوس اليوناني، وكانت هذه المجموعة، حسب ما أشارت "بي بي سي" في تقريرها، فريق عالمي، رغم خسارتهم أمام الكاميرون مرتين في التصفيات، إلا أنهم بقوا قريبين بشكل كبير حتى مباراتهم في السودان.

وفي الوقت الذي تقف فيه الكرة الايفوارية على أبواب التاريخ، كانت البلاد على حافة مصير مظلم، بسبب حرب أهلية بدأت عام 2002، ويتذكر بدايتها سيباستيان جناهور، لاعب كرة قدم سابق فر من كوت ديفوار وقتها، ويقول: "كان الأمر مروعاً، عندما اتصلت بأختي كان بإمكاني سماع إطلاق النار خارج المنزل، وجميعهم اختبأوا تحت السرير لمدة أربعة أيام، وخرجوا فقط للعثور على الطعام، وكل ما كنت أهتم به هو ما إذا كانت عائلتي ستكون بخير، وهذا هو القلق الوحيد الذي كان لدي كل صباح".

ورغم انتهاء معظم القتال عام 2004، لكن التوترات كانت تتصاعد مرة أخرى، وفي عام 2005، بدا مستقبل كوت ديفوار الواقعة في غرب إفريقيا، قاتماً وسعى منتخبهم إلى رسم البسمة على وجوه الايفوريين، وانطلقت مباراة الكاميرون ضد مصر في القاهرة، وكانت مباراة "الأفيال" مع السودان في وقت واحد، وفي الوقت الذي كان دروغبا وزملاءه يخوضون لقاءهم أمام السودان، كانت أذهانهم معلقة بلقاء القاهرة، ونجح "الأفيال" في حسم مباراتهم بنتيجة 3-1، وتعلقت الآمال بنهاية مباراة القاهرة، بالتعادل 1-1، إلا أن الحكم احتسب ركلة جزاء للكاميرون في الدقيقة 5 من الوقت بدل الضائع، وسددها بيير وومي، في القائم الأيسر، ليحتفل "الأفيال" بالدموع ومنهم دورغبا، على أرض السودان بالوصول لكأس العالم للمرة الأولى في تاريخهم.

أما في كوت ديفوار، فتوقفت أعمال الحرب تماماً طوال المباراة، وتعايش الجميع بسلام، وتوحدوا لتحقيق الحلم، وقال دروغبا وقتها: "وعدناكم بأن الاحتفالات ستوحد الناس، واليوم نرجوكم إلقاء السلاح، وإجراء الانتخابات، لأننا نريد أن نستمتع، لذا توقفوا عن إطلاق بنادقكم"، وشهدت الشهور التالية، تغييرا كبيراً، وتم تشغيل مقطع الفيديو للمباراة وتصريحات اللاعبين على التلفزيون الوطني بشكل مستمر، وتبع ذلك اقترب الجانبان المتحاربان على طاولة المفاوضات، ليتم التوقيع على وقف إطلاق النار في النهاية.

والقصة لم تنته تماماً، ففي كأس العالم 2006، خرجت كوت ديفوار من دور المجموعات بعد أداء قوي، وخسارة أمام الأرجنتين وهولندا، والفوز على صربيا والجبل الأسود، وحصل دروغبا في العام التالي، على جائزة أفضل لاعب كرة قدم أفريقي، ثم أعلن عن نقل مباراة كوت ديفوار ومدغشقر في 3 يونيو 2007، من أبيدجان إلى بواكيه، مركز التمرد في البلاد، ويقول أوستن ميريل مراسل مجلة "فانتي فيير" في ذلك الوقت: "كانت سيارتي خلف حافلة "الأفيال" في طريقنا إلى الاستاد بحضور عسكري كثيف، واعتلى الناس رأس السيارات، وانزلقت الأسلحة من قبضة الجنود داخل الملعب نفسه، وتوحدت الهتافات خلف فريق كرة القدم، والأمر كان مختلفاً تماماً عن العنف السابق".

ولكن للأسف بعد 5 سنوات فقط، يجتاح العنف البلاد مرة أخرى بعد الانتخابات، وأسفرت عن مقتل 3000 شخص، وتم اعتقال الرئيس غباغبو، ومحاكمته في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ثم في يناير 2019، تمت تبرئته من جميع التهم، ولكنه ما زال رهن الاحتجاز في بلجيكا، ريثما تظهر نتيجة الاستئناف، ولا تزال كوت ديفوار في حالة سياسية حساسة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات