ولعل ما حدث للمنتخب الألماني أمام نظيره الهولندي جاء نتيجة لتراكمات عددية، أوصلت بطل العالم السابق إلى الحالة التي عشاها المانشافت قبل ثلاثين عاماً، حيث بات فيها المنتخب الألماني ضيفاً خفيفاً على المنافسين، بعد أن كان مجرد ذكر اسمه يثير الرعب في قلوب المنافسين، ولكن استمرار يواكيم لوف على نهجه في الاعتماد على لاعبين بعينهم، مهما بلغ بهم العمر، وتراجعت مستوياتهم، دفع المنتخب الألماني إلى التراجع الرهيب، الذي ما عرفه مثله منذ أيام بيرتي فوغيتس، الرجل الذي قال، وهو يتجه إلى فرنسا للمشاركة في مونديال 1998، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي، عن من هو النجم الصاعد الذي ستقدمونه في المونديال.
وكانت البرازيل تأتي للدفاع عن لقبها بقيادة، رونالدو، والأرجنتين مسلحة بمجموعة من النجوم الشابة، وهولندا تعتمد على تشكيلة أكبر لاعبيها دينيس بيركامب، ابن الثامنة والعشرين في ذلك الوقت، وفرنسا تعول على زين الدين زيدان الذي كان يبحث عن النجومية في المونديال الذي تستضيفه بلاده، فجاء رد فوغيتس محبطاً للغاية، وإن كان قد كشف عن العقلية التي يدار بها المانشافت في ذلك الوقت، عندما قال: لدينا الصاعد الواعد «لوتر ماتيوس»، وكان ماتيوس حينها في السابعة والثلاثين من عمره، ويشارك للمرة الخامسة في المونديال.
ولم يمض كثيراً من الوقت قبل أن يتسبب عطاء «أرباب المعاشات» في انهيار المنتخب الألماني، وخسارته الثقيلة بثلاثية أمام المنتخب الكرواتي، في ربع نهائي المونديال، وكان لتلك المباراة أن تنتهي بنتيجة أكبر من ذلك بكثير لو كان دافور سوكر مركزاً كما يجب.

بداية النهاية
لم يكن خروج المنتخب الألماني مفاجئاً مع الطريقة التي اعتمدها بيرتي فوغيتس في الإبقاء على أسماء بعينها، من غير أن يهتم لما وصلت إليه من عمر، ومدى قدرتها على العطاء، ويبدو أن سهولة المجموعة السادسة التي تواجد فيها المنتخب الألماني مع يوغسلافيا السابقة، والولايات المتحدة الأميركية ومنتخب إيران، أعمت بصر فوغيتس عن الحقيقة، وعلى الرغم من الفوز بصعوبة المكسيك 2 - 1 في دور الستة عشر أصر فوغيتس على الاحتفاظ بالأسماء ذاتها فدخل إلى مباراة كرواتيا بتشكيلة ضمت الحارس المخضرم كويبكة، إلى جوار هنريخ، والمدافع العجوز كولر، ولاعب الوسط الذي كان يتجه نحو الاعتزال هاسلر، والنجم الذي كان يفترض أن يعتزل لوتر ماتيوس، وكان أكثر اللاعبين نشاطاً القائد يورغان كلينسمان ابن الرابعة والثلاثين حينها، ودفعت ألمانيا الثمن لتمسك فوغيتس بالحرس القديم، كما تدفع الثمن الآن لتمسك لوف بالحرس القديم.
ولعل نجاح فوغيتس في الحصول على لقب بطولة الأمم الأوروبية 1996، هو الذي دفعه إلى التمسك باللاعبين المخضرمين، على الرغم من أن كل المؤشرات كانت تدل على أن لاعبي المنتخب الألماني في تلك السنة في طريقهم إلى الاعتزال، وحرصوا على الحصول على بطولة يودعون بها الملاعب ولكن فوغيتس لم يكن يفكر في ما يجري في الملعب، وقدرات لاعبيه، ولعل التفكير نفسه هو الذي حاصر يواكيم لوف، فبعد الفوز بالمونديال عام 2014 أعتقد أن هذا الجيل في بداية العطاء، ولكن الحقيقة أن هذا الجيل كان في طريقه إلى نهاية العطاء.
وتبين الأمر في بطولة الأمم الأوروبية في فرنسا عام 2016، ورغم نجاح تجربة الاعتماد على الشباب في بطولة القارات 2017، والتي حصد المنتخب الألماني الشاب لقبها، إلا أن لوف عاد وأبعد الشباب من تشكيلة مونديال روسيا 2018، وأعاد «أرباب المعاشات» إلى المنتخب الذي غادر البطولة من الدور الأول، ولكن المدرب الألماني لم يتعظ، وأصر على الاحتفاظ بذات الأسماء، مع تغيير في بعض مراكز اللاعبين، والدفع بأسماء جديدة على دكة البدلاء، فتلقى المنتخب الألماني الخسارة القاسية.
الآن ألمانيا في مفترق الطرق، وباتت تحتاج إلى الكثير من العمل حتى يستعيد المنتخب الألماني بريقه المعهود، وعلى الرغم من سحابة التشاؤم التي تسود أجواء المنتخب الألماني، والإحباط الذي يعيشه الشعب الألماني من نتائج المنتخب، والحزن الذي يشعر به كل عشاق المنتخب الألماني حول العالم، إلا أن بارقة أمل تلوح في الأفق، يمكن للمنتخب الألمان الاستفادة منها، والعودة إلى منصات التتويج كما كان، وتتمثل بارقة الأمل فيما قامت به البرازيل وإسبانيا، والدرس الحكيم الذي قدمه المنتخبان من أجل استعادة التوازن وانتزاع منصات التتويج.

درس الماضي
كان الكلمة الأولى التي قالها أسطورة التدريب كارلوس البيرتو بيريرا عندما تولى تدريب منتخب بلاده بعد إخفاق مونديال 1990، وكان ذلك امتداداً لإخفاقات المنتخب البرازيلي منذ لقب 1970، أن من الصعب رؤية الدموع في عيون لاعبين كبار مثل سقراط وهم يغادرون الملعب بعد الخروج مبكراً من البطولات، هدفي ألا يحدث ذلك مهما كانت الطريقة.
وقرر كارلوس البرتو بيريرا «تغيير جلد» منتخب «السامبا» بالكامل، فأتى بلاعبين لا يعرفون معني الفني الكروي، كما قيل عنهم حينها، وعلى رأسهم كارلوس دونغا، وماوريو سيلفا، جورجينهو والداير، وحتى المبدع راي، تم إبعاده عن التشكيلة الأساسية بعد المباراة الثانية في المونديال، ليعتمد المنتخب البرازيلي على لاعبين يركضون خلف الكرة، ومهاجمين من الطراز الأول هما روماريو وبيبيتو، ونجحت هذه الطريقة في إعادة البرازيل إلى الواجهة مرة أخرى، وحصد لقب المونديال للمرة الرابعة، والأول بعد 20 عاماً.
تتويج أول
وألهم تغيير المنتخب البرازيلي لجلده أيضاً، منتخب فرنسا الذي كان سيستضيف البطولة التالية 1998، وهو الذي فشل في التأهل إلى مونديال 1994، بعد خسارته على أرضه أمام بلغاريا 1 - 2، ولكن الاتحاد الفرنسي استغل التأهل المبكر إلى المونديال بحكم الاستضافة، وقرر البحث عن منهج جديد للكرة الفرنسية، فأتى بالواقعي إيمي جاكيه ليخلف جيرارد هوييه الذي كان يركز على النجوم والاعتماد على الكرة الاستعراضية، بينما اعتمد جاكيه على تسخير النجوم لصالح أسلوب تكتيكي، بل مضى أكثر من ذلك وهو يبعد النجم الأول أريك كانتونا عن المنتخب بحجة عدم تناسبه مع الأسلوب التكتيكي، وتحمل جاكيه الكثير من النقد بعد هذا القرار، لكنه نجح في فرض فرنسا بطلاً على العالم في نهاية المطاف.
وهو ما قام به ديديه ديشامب، الذي كان قائداً للمنتخب الفرنسي في مونديال 1998، فبعد أن فقد لقب الأمم الأوروبية على أرضه 2016، قرر ديشامب العودة إلى أسلوب مدربه الحكيم جاكيه، وسخر النجوم لخدمة الفريق، الذي اعتمد الواقعية أساساً لتكتيكاته، فكان أن نجح المنتخب الفرنسي في إضافة اللقب الثاني.
وكما كان «تغيير الجلد» ناجعاً مع المنتخبين البرازيلي والفرنسي، فإنه نجح تماماً مع المنتخب الإسباني «الماتادور»، الذي تخلى عن أسلوب الكرات الطويلة، والاعتماد على النجوم، فكان قرار أرغونيس إبعاد راؤول عن المنتخب بمثابة الصدمة لجميع الأوساط الرياضية ليس في إسبانيا وحدها بل في العالم أجمع، ولكن الرجل كان يريد أن يبني منتخباً جماعياً، لينهي سيطرة النجوم على المنتخب الإسباني، فنجح في وضع الأساس، وحصل على لقب الأمم الأوروبية 2008، قبل أن يترك المهمة لفيسنيتي ديل بوسكي، الذي لم يغير من نهج أرغونيس، فحصدت إسبانيا لقب مونديال 2010، ولكنها غادرت من الدور الأول في مونديال 2014، عندما تمسك ديل بوسكي بالحرس القديم، والأسماء.

رحلة طويلة
مر المنتخب الألماني برحلة طويلة منذ مونديال 1990، عندما حصل على اللقب، بعدها تعرض المنتخب الألماني إلى الكثير من التراجعات والتجارب، ما بين أريك ربيش، وفولر، الذي وضع بعض أساس النجاح، ثم المغامرة بيورغن كليسنمان، في مونديال 2006، وأخيراً استقر المنتخب الألماني على أفكار يواكيم لوف، التي كانت بمثابة التحول الكامل للمنتخب الألماني، من منتخب يعتمد على الحركية الكاملة واللياقة البدنية، إلى منتخب مبدع في الملعب، ولكن للإبداع عمر، وللاعبين مرحلة عطاء، ومن بعدها سيتراجع كل شيء، وهذا ما لم يتبنه له لوف. ألمانيا الآن تحتاج إلى إعادة الحسابات، وربما تغيير جلدها، كما تفعل إيطاليا التي هجرت تفكير الكرة الدفاعية، واستعانت بروبيرتو مانشيني، العاشق للعب الجميل والكرة والهجومية.
ما أشبه الليلة بالبارحة، وتحديداً ما أشبه ما حدث يوم السبت الماضي في هولندا، بما حدث في الرابع من يوليو 1998 في فرنسا، وتحديداً في مدينة ليون، عندما تلقى المنتخب الألماني واحدة من أقسى الخسائر له في المونديال، حينما سقط أمام المنتخب الكرواتي المشارك للمرة الأولى حينها في البطولة العالمية، بثلاثية نظيفة، تشبه التي سقط بها المانشافت أمام نظيره الهولندي في دوري الأمم الأوروبية ضمن مباريات المجموعة الأولى، المستوى الأول، حينها كتبت الصحافة الألمانية «أرباب المعاشات الألمان يسقطون أمام الشباب الكرواتي».
