الأفضـل!.. اللقـب «المشبوه»

سؤال يحتاج إلى إجابة طرحه الفرنسي أنطوان غريزمان، المتوج مع بلاده بلقب كأس العالم في روسيا 2018، وحتماً يحتاج إلى الكثير من الوقت للإجابة عنه، ولكن في النهاية يبقى هو السؤال الصعب جداً على الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، ويتعلق تحديداً بقيمة أكبر البطولات على مستوى المنتخبات، وهو المونديال الذي ينظمه «فيفا» كل أربع سنوات، وتتقاتل المنتخبات من أجل التتويج به، ويقدم كل لاعب أفضل ما عنده من أجل بلاده وفي الوقت نفسه من أجل الحصول على جائزة أفضل لاعب في العام، التي يقدمها «فيفا» والتي يفرض المنطق أن تكون مرتبطة بالبطولة الأكبر التي ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم، ولكن الحقيقة باتت عكس ذلك تماماً.

تساءل غريزمان، عن غياب نجوم المنتخب الفرنسي بطل العالم عن القائمة النهائية، لترشيحات أفضل لاعب، والتي جاءت مطابقة للقائمة التي أعلنها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» والتي كانت منطقية للغاية، فالأصل أن كل اتحاد رياضي يعلن عن جائزة الأفضل من خلال المنافسات التي ينظمهما، وطبيعي في هذه الحالة أن يصل ثلاثة لاعبين شاركوا في المباراة النهائية لأكبر بطولات «يويفا» هذه السنة، وهي دوري الأبطال، إلى المنافسة النهائية، وطبيعي أكثر أن يفوز لاعب من ريال مدريد أيضاً بهذه الجائزة، على الرغم من قناعتي أن رونالدو كان الأحق بها من واقع منطق «يويفا» نفسه في الاعتماد على ما تحقق في دوري الأبطال، فقد كان تأثير النجم البرتغالي على نتائج الريال في البطولة أكبر بكثير من تأثير لوكا مودريتش.

بل كان نجمنا العربي المصري محمد صلاح أحق بالجائزة من لوكا مودريتش، ليس في ذلك أي نوع من العاطفة أو غيرها من الأشياء، فصلاح أعاد ليفربول إلى الواجهة الأوروبية، كما كان مؤثراً على نتائج فريقه في المستوى المحلي، ولربما لو كان «يويفا» منصفاً لحصد صلاح الجائزة، فوجود لاعبين من الريال في القائمة النهائية يعني أن كلاهما ساهم بشكل فعال في حصد فريقهما للقب، بينما جاء صلاح وحده من ليفربول، وهو من قاد فريقه إلى النهائي، وحطم الأرقام الشخصية في الدوري الإنجليزي.

تأثير

ويبدو أن «يويفا» وقع تحت تأثير النادي الملكي ريال مدريد، حينما أعلن عن فوز مودريتش على حساب لاعب الريال السابق رونالدو، على الرغم من أن الأرقام في بطولات «يويفا» تميل بوضوح لصالح البرتغالي، ثم نجمنا العربي محمد صلاح، وربما ما كان لمورديتش حتى أن يصل إلى القائمة النهائية في ظل العطاء المتميز الذي قدمه الفرنسي غرزيمان على مستوى البطولات الأوروبية، وهو يحصد لقبي كأس الاتحاد الأوروبي، ومن بعده لقب السوبر الأوروبي مع أتلتيكو مدريد، ولكن يبدو أن تأثير النادي الملكي، هو من فرض حصول لوكا مودريتش على لقب الأفضل.

استمتع شخصياً بكل لحظة يقدمها الكرواتي في الملعب، منذ أيامه في توتنهام ولكن عند الحديث عن الجوائز والألقاب فالأمر لا يخضع للعاطفة، بل للمنطق، ومنطق الأشياء، بل المنطق الذي اختار به «يويفا» نفسه المترشحين الثلاثة في المرحلة الأخيرة، يفرض مقارنة الإنجازات التي حققها كل لاعب، وهنا حتما لا مكان لمودريتش في القائمة النهائية دعك من حصوله على اللقب.

حرب

هل هي حرب على البطولة الأكبر التي ينظمها «فيفا» نفسه، هذا ما نراه في الفترة الأخيرة، فقد كانت المرة الأخيرة التي أثر المونديال على جائزة أفضل لاعب عندما فاز الإيطالي فابيو كانفارو باللقب عام 2006، وعلى الرغم من احتجاجات كثيرة، عن كيفية حصول مدافع على لقب أفضل لاعب إلا أن رد «فيفا» جاء حاسماً جداً لأنه كان منطقياً للغاية، فقد أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم حينها أن المدافع الإيطالي كان الأكثر تأثيراً في المونديال البطولة الأكبر التي ينظمها «فيفا» وقاد بلاده إلى لقبها الرابع، ولم يستطع أي شخص أن يحتج على الرغم من تباين وجهات النظر حول النتيجة النهائية لأفضل لاعب.

حيث استغرب الكثيرون من تفوق مدافع على الممتع الرائع زين الدين زيدان، ولكن رد «فيفا» فرض نفسه على الجميع، ولكن يبدو أن الاتحاد الدولي لكرة القدم وقع تحت ضغط رعاة المونديال والنجوم الكبار لاحقاً، الذين يرون أن أصحاب الكرة الممتعة والأهداف الغزيرة هم الأكثر جذاباً للمشاهدين، والأكثر مساهمة في تدفق الأموال، ليخضع «فيفا» بعد ذلك لهذه الضغوط ويبدأ في إعلان الحرب على بطولته الأكبر المونديال لصالح النجوم الذين يساهمون في تحقيق الدخل، وليس الذين يساهمون في حصد الألقاب العالمية.

2010

الخطوة الأولى في الحرب على بطل المونديال جاءت عام 2010 عندما أعلن «فيفا» وسط دهشة الجميع عن فوز الأرجنتيني ليونيل ميسي بجائزة أفضل لاعب في تلك السنة، على حساب الثنائي أنييستا وتشافي وكلاهما ساهم في حصول الماتادور على لقبه الأول في المونديال، بينما غادر ليونيل ميسي البطولة من دور الثمانية، وبفضيحة كروية بالخسارة 0 - 4 أمام ألمانيا، ولم يخطف حتى لقب الهداف، ولا أفضل لاعب في البطولة، ولكنه توج بلقب أفضل لاعب في السنة.

وتكرر الأمر في المونديال التالي، والذي حصل فيه ميسي على التانغو على المركز الثاني، خلف المنتخب الألماني، ولكن القائمة النهائية جاءت بميسي ورنالدو ونوير، وتوج ميسي، الذي انتهت جهوده فعلياً في البطولة مع نهاية الدور الأول، حيث لم يسجل أي هدف بعد ذلك، بينما غادر صاحب المركز الثاني في جائزة أفضل لاعب منذ دور الستة عشر، وكان أيضاً بلا مساهمة تذكر على العكس من نوير.

ولكن نجمي الليغا حينها كانا الأكثر تأثيراً على الرعاة، وظل الأمر متبادلاً بينهما في منصة التتويج عام بعد عام، بغض الطرف عن إنجازات أي منهما مع منتخب بلاده. وكان يحمد لفيفا قليلاً، ذر الرماد في العيون بوجود أحد لاعبي بطل العالم في القائمة النهائية، لكن هذه المرة، حتى هذه الترضية، تجاوز الاتحاد الدولي لكرة القدم عنها، وأعلن عن قائمة غاب عنها أي من لاعبي منتخب فرنسا بطل العالم، وجاءت مطابقة لقائمة يويفا، وهنا يفرض السؤال نفسه، هل يعتد فيفا في جوائزه بإنجازات اللاعبين في بطولات يويفا والاتحادات القارية الأخرى على حساب أكبر بطولاته، أم أن حسابات الاتحاد الدولي لكرة القدم قائمة على المزيد من الرضوخ لرعاة اللاعبين والأندية التي يلعبون لها.

عاطفة

بشكل شخصي جداً أتمنى أن تكون الجائزة من نصيب النجم الخلوق المهذب محمد صلاح، ولكن هذه هي عاطفتي التي تتعارض مع المنطق.

المنطق يقول بعدم ترشح صلاح أصلاً إلى المرحلة النهائية، وكذلك البرتغالي كريستيانو رونالدو، فكلاهما غادر المونديال مبكراً، والمنطق يفرض وجود لوكا مودريتش في القائمة النهائية، في منافسة على الأقل مع أحد نجوم المنتخب الفرنسي، وأحد لاعبي المنتخب البلجيكي صاحب المركز الثالث في المونديال، بعد المسيرة المتميزة لرفاق أدين هازراد في البطولة، لكن فيفا يخرج علينا كل مرة بما يريد هو وليس بما يفرضه المنطق.

وحجة فيفا في الفترة الأخيرة هي أن هذه هي نتائج التصويت، وهي التي تحدد المرشحين، ولكن كم من مرة احتج المصوتون على ذهاب أصواتهم إلى غير من صوتوا لهم، كم من مرة وقف العالم مندهشاً من ابتعاد لاعبين استحقوا اللقب عن القائمة النهائية، ما يحدث في كواليس فيفا يقود إلى تحديد المرشحين للجائزة، بل والفائز بها بغض الطرف عن ما قدمه في أكبر بطولات فيفا.

عذراً فقد باتت اللعبة مكشوفة ومملة، ما حدث من يويفا، هو أنه أرضى ريال مدريد، بمنح مودريتش جائزة لا يستحقها، وكسب ود رعاة ميسي وبرشلونة بحرمان رونالدو من جائزة كان الأحق بها من زميله في فريقه السابق، بل ولربما حرم محمد صلاح من حقه الذي اجتهد كثيراً للوصول إليه، ويبدو أن فيفا يريد أن يخفف قليلاً على صلاح ورونالدو بإعلانهما ضمن القائمة النهائية، لكن على حساب لاعبين اجتهدوا وقادوا بلادهم إلى التتويج أو إلى أفضل مركز في تاريخها مثلما فعل نجوم المنتخب البلجيكي.

 

تعليقات

تعليقات