ما بين الرفض والاعتراف أجرت مقاطعة كاتالونيا استفتاء الانفصال عن إسبانيا، وكما تباينت الآراء بشأن العملية كلها بين السياسيين، كانت كرة القدم الإسبانية في قلب الإجراء، حيث تابع العالم كله ما يمكن أن نسميه «كلاسيكو الانفصال»، حيث عمد برشلونة ونجومه إلى دعم مقاطعتهم كاتالونيا في جميع مطالبها، ومساندة الاستفتاء بكل السبل المتاحة.
في الوقت الذي تزعم فيه نادي العاصمة الإسبانية، الريال الدعوة إلى الوحدة مستغلاً توافد مجموعة من جمهور إسبانيول إلى متابعة مباراة أول من أمس التي انتهت بفوز النادي الملكي 2 - 0 بفضل هدفي إيسكو، حيث قام ناشطون بتوزيع الألف من رسائل الوحدة وإعلان إسبانيا على الجمهور وخاصة الكاتالوني منه الذي شكل حضوراً مميزاً في ملعب سنتياغو بيرنابيو التابع للنادي الملكي.
ومثلما كان صاحب السبق في مساندة جميع خطوات السعي إلى الاستفتاء من أجل الانفصال كان قلب الدفاع الكاتالوني جيراد بيكيه أول المبادرين للمشاركة في التصويت من أجل الانفصال، غير مكترث بقانونيته من عدمها، بل ظل قلب دفاع برشلونة طوال السنوات الأخيرة من الداعمين وبقوة لانفصال الإقليم الثري عن دولة إسبانيا، ودخل بيكيه في العديد من السجالات مع جمهور النادي الملكي الذي كان يطالب دائماً بإبعاد بيكيه عن منتخــب إسبانيا طالما أن الأخير يؤيد الانفصال.
وبعد نهاية مباراة لاس بالماس أول من أمس، والتي جرت في ملعب فارغ من الجمهور أكد بيكيه موقفه الداعم لانفصال الإقليم، كاشفاً أنه كان حريصاً جداً على التصويت بنعم من أجل الانفصال، مقترحاً في الوقت نفسه أن يبتعد الآن عن المنتخب الإسباني.
وأبان بيكيه: قبل المباراة رفضت أن أشارك بها في ملعب فارغ من الجمهور، هي أسوأ تجربة في حياتي المهنية، كان هناك الكثير من المشجعين، أطفال ونساء وكبار في السن، ورغم ذلك انصرفوا بهدوء بعد قرار اللعب بلا جمهور، ليس مهماً أن أكون صوتاً بلا أو نعم، ولا أن تأتي نتيجة الاستفتاء بالانفصال أو البقاء في إسبانيا، ما كان مهماً أن تمارس كاتالونيا حقها، ولكن الحكومة الإسبانية أرادت غير ذلك، حرمتهم من أبسط الحقوق، وهي التعبير عن رأيهم، طوال سنواتي في هذا البلد عانيت وعانينا نحن في كاتالونيا من السيطرة «الفرانكوفونية» ليس لنا الحق في الحديث.
وهم لا يفهمون همومنا، ولا يمنحوننا الحق في التعبير عن أنفسنا، هم لا يعترفون إلا بالثقافة «الفرانكوفونــية»، حتى إن رئيس وزراء إسبانيا راخــوي لا يعرف اللغة الإنجليزية، كيف يتحــدث مع العالم، كيف يخاطــب العالم، إنه منغلق على الثقافة «الفرانكوفونية» فقط، لذا لا يسمح بأي ثقافة أخــرى في إسبانيا.
الماتدور
وحول مستقبله مع المنتخب الإسباني قال بيكيه: الأمر بيد الاتحاد الإسباني ومدرب المنتخب، إذا كان هناك رأي بأنني أمثل مشكلة، بسبب رأيي الشخصي وحريتي في التعبير عن رأيي ودعمي لانفصال كاتالونيا، أعتقد بأنني جاهز للابتعاد عن المنتخب المتجه إلى مونديال روسيا 2018.
الأهم من كل شيء أن نحافظ على حقنا في التعبير وتقرير مصيرنا، هم يعتبرون أن الاستفتاء غير قانوني، ولكن هل العنف الذي تعاملت به الشرطة قانوني، لم أسمع من الحكومة الإسبانية أية إدانة لما حدث، تحملنا كل شيء، العنف، وكبت الآراء، واللعب في ملعب فارغ بلا جمهور، أردنا أن نؤجل المباراة.
ولكن الاتحاد الإسباني ولاس بالماس أصرا على اللعب، بدعوى أنهما لا يريدان أن تتدخل السياسة في كرة القدم، ولكن بالماس دخل إلى الملعب بعد أن أضاف علم إسبانيا إلى شعار النادي، بموافقة الاتحاد الإسباني، وبعد ذلك يتحدثون عن عدم السماح للسياسة بالتدخل في نشاط كرة القدم.
واستمر قلــب دفاع برشـــلونة: غالبنا دموعنا ونحن نلعب بلا جمهور، كل ما جنته كاتالونيا، أنها طالبت بحقــها في أن تقرر مصيرها، إسبانيا تريدنا أن نظل دائماً تحت سيطرتها من غير أن تمنحنا على الأقل حق التعبير عن أنفسنا.
دعم
ووجد جيرار بيكيه دعماً قوياً من أسطورة التدريب في كاتالونيا، بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي، الذي كان هو الآخر حريصاً على التصويت في الاستفتاء، معتبراً أن من حق كاتالونيا أن تقول كلمتها، وأضاف غوارديولا في تصريحات للصحافة البريطانية نشرت أمس: أول ما يجب أن نقف عنده هو العنف الرهيب الذي مارسته الشرطة ضد من سعوا إلى الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء، العالم كله رأى هذه الصورة، وتابع عبر وسائل الإعلام العنف الذي تعرض له مواطنو كاتالونيا.
ولكن المزعج في الأمر أن رئيس الوزراء الإسباني راخوي، لم يدل بأية تصريحات لإدانة هذا العنف، بل دافع عن سلوك الشرطة الإسبانية ضد مواطني كاتالونيا، هذا يلخص تماماً لماذا تسعى كاتالونيا إلى الانفصال، لو حدث هذا العنف من الشرطة في إقليم آخر، أو في العاصمة مدريد، لتوالت الإدانات عليه، وتم اتخاذ إجراءات صارمة جداً، ولكن على العكس لم تر الحكومة الإسبانية أو رئيس وزرائها أن ما حدث من الشرطة تجاه مواطني كاتالونيا يعد تجاوزاً.
بل أثنى البعض على انضباط الشرطة الإسبانية، وتعاملها بشكل جيد جداً مع «المحتجين»، ولماذا احتج هؤلاء، ببساطة لأنهم منعوا من حقهم في الإدلاء بأصواتهم، ما حدث غريب على دولة من المفترض أنها ديمقراطية، قبل فترة تابع العالم كيف تعاملت بريطانيا مع طالبي الخروج عن الاتحاد الأوروبي، كان استفتاءً مثالياً، توافرت فيه كل عناصر الديمقراطية.
وفي النهاية سادت كلمة الأغلبية، ما كنا نريده أن تعترف إسبانيا بحقنا في ممارسة العملية الديمقراطية، والقبول بما يقرره شعب كاتالونيا الذي يملك كل الحق في تقرير مصيره. مختتماً: هناك اعتقاد بأننا نكره إسبانيا، هذا ليس صحيحاً أبداً نحن فقط نحب كاتالونيا.
أعلام
وفي الجانب الآخر من إسبانيا، وتحديداً في العاصمة الإسبانية مدريد، حرص نجوم النادي الملكي على إظهار دعمهم لوحدة إسبانيا، حيث توجه اللاعبون الإسبان، ومعهم بقية نجوم الريال إلى تحية جمهور الفريق قبل بداية مباراة إسبانيول وبعد نهايتها، واستقبلهم الجمهور وهو يلوح بالعلم الإسباني الذي طغى على مدرجات بيرنابيو.
حيث حضر جمهور الريال وهو يحمل العلم الإسباني، وظل يلوح به طوال وقت المباراة، ليتحول الملعب إلى اللونين الأحمر والأصفر «لون علم إسبانيا» بعد أن كان يطغى عليه اللون الأبيض «شعار النادي الملكي» في جميع المباريات السابقة.
لتتحول المعركة من الشارع السياسي إلى مدرجات أكبر ملعبين في إسبانيا، في كلاسيكو يبدو أنه الأخير من نوعه، انتظاراً لما تسفر عنه الأيام المقبلة حول مستقبل إسبانيا الدولة.
هجوم
في الأثناء شنت عناصر في إدارة برشلونة هجوماً عنيفاً على إدارة الاتحاد الإسباني لكرة القدم، حيث أكدت مصادر مقربة من الإدارة أن برشلونة سيصعد الموقف مع الاتحاد الإسباني لكرة القدم، ورابطة الدوري الإسباني لكرة القدم «الليغا» بعد اعتباره أن رفضهم تأجيل مباراة لاس بالماس يعد نوعاً من الدعم السياسي لموقف الحكومة الإسبانية.
وأضاف المصدر أن إدارة برشلونة تعتبر أن من الطبيعي جداً في ظل الظروف التي كانت تحيط بالمباراة أن يتم تأجيلها، وكحد أدنى من أجل سلامة الجمهور الذي كان يريد الوصول إلى الملعب لدعم فريقه.
ولكن يبدو أن الاتحاد الإسباني، كان يريد منا أن نتخذ قرار لعب المباراة بلا جمهور، حتى لا يمنح جمهور البارسا فرصة التعبير عن رأيه ودعم استفتاء الانفصال من ملعب كامب نو، ما حدث شيء غريب على الكرة الإسبانية، كانت هناك مهددات لسلامة الجمهور من واقع الأحداث التي شهدها اليوم من عنف الشرطة تجاه الجمهور في مراكز الاستفتاء.
لذا كان طبيعياً أن نطلب تأجيل المباراة، من قبل تأجلت مباراة للريال لأن ملعب الفريق المنافس كان «يمكن» أن يتأثر بالأحوال الجوية، بينما الاعتداء المتوقع من قبل الشرطة على الجمهور لا يعد سبباً كافياً لطلب التأجيل، هذا نموذج لما تريده إسبانيا من كاتالونيا، أن نقبل بالمعاملة الدونية، يحصل غيرنا على أكثر من حقه، بينما نحن نحرم من حقوقنا.

